شبكة نوى، فلسطينيات: دوار النابلسي.. ولقمة عيش غُمّست بدم "الجائعين"
نوى_ دعاء شاهين
كانت الساعة تشير إلى السادسة مساءً. طبع محمد سعد (30 عامًا) على جبين ابنته قبلة، وشد رحاله من حيث يقيم في حي الشجاعية شرقي القطاع، إلى منطقة مفترق النابلسي.
كان اليوم عنده أشبه بالعيد، فأخيرًا سيحصل على كيس طحين يسد به جوع طفلته الصغيرة "نور" التي لم يتجاوز عمرها الـ٦ سنوات، والتي بات الجوع يأكل أمعاءَها الخاوية.
آخر ما ودعته به: "أخيرًا يا بابا راح تعمللنا ماما مناقيش بزعتر وبيتزا، ما تتأخر علينا لأني جوعانة كتير". قطع محمد مسافة ٤ كيلو مترات سيرًا على الأقدام، وأمله الحصول على كيس طحين، اقترب أخيرًا من مفترق النابلسي، الذي كان مزدحمًا بعشرات الغزيين فارغي البطون، ينتظرون وصول شاحنات أكياس الطحين من الجنوب إلى الشمال.
كان الطقس باردًا والليل حالك الظلمة، الجميع يركضون ويتزاحمون باتجاه شاحنات الطحين التي اقتربت من الوصول، في نفس الوقت كانت دبابات الاحتلال وطائراته المسيرة وقناصات الجند تحيط بهم.
وصلت الشاحنات أخيرًا ففزع الجائعون إليها بفرحة لم تكتمل، وبدون سابق إنذار بدأ إطلاق النار من قبل آليات الاحتلال تجاههم، ليسقط نحو 150 فلسطينيًا دفعوا دماءهم ثمنًا لكيس طحين.
يروي محمد ما حدث بقوله: "كانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، جاءت شاحنة الطحين فصرنا نركض باتجاهها، والناس بتزاحمون، كل واحدٍ يريد أن يأخذ نصييه، في نفس الوقت كانت طائرات من نوع (كواد كابتر) تحوم فوق رؤوسنا، والدبابات بجانبنا. ظننا الأمر اعتيادي فمنذ الحرب لم تغادر المنطقة، وتقدَّمَت أكثر، ثم بدأ إطلاق النيران والقذائف نحونا من كل جانب. الدم صار كالشلال والناس صارت تركض وتصرخ، والمصابون ملقون في كل جانب والشهداء أشلاء".
يضيف: "تركتُ كل شيء ولم أعد أفكر بكيس الطحين، فورًا تحوّلتُ لمسعفٍ وبدأتُ أنقل الجرحى عبر العربات التي تجرها الحيوانات لمشفى الشفاء، وكنتُ أبكي كثيرًا وأصرُخ، فالمجزرة كانت بشعة، وكل ذنبِنا أننا نريد إطعام أبنائنا حتى لا يفقدوا حياتهم جوعًا".
يُكمل روايتهُ بحالةٍ من السخط والحزن لهول المجزرة الإسرائيلية بحقهم، ويضيف: "اختلطت أكياس الطحين بالدماء، وقليلون من عادوا مصطحبين معهم بعضًا منها، أما أنا فعُدتُ فارغ اليدين إلا من دماء الشهداء الذين حاولتُ نقلهم إلى العربات، أما ابنتي فظلت جائعة".
حسن كامل (٤٠ عامًا)، الذي خرج من منزله بمخيم جباليا تجاه مفترق النابلسي، هو الآخر كان قد خاض هذه المغامرة لعله يحصل على كيس طحين لأبنائه الجائعين الذين يبلغ عددهم (11 طفلًا). يقول: "بعد١٢ ساعة انتظار في العراء حصلتُ على كيس الطحين، بمجازفةٍ كبيرة رغم أن إطلاق النيران والقذائف كان صوبنا من كل جانب، لكن الجوع كافر، ولهذا قررتُ ألا أعود إلا ومعي كيس الطحين، رغم ارتكاب مجزرةٍ بحقنا".
تعِبَ حسن وعائلته من وجبات علف الحيوانات والعشب الأخضر "هذا إن تواجد"، فحلمه كان رغيف خبز، ووجد في نفسه محظوظًا كونه حظي بكيس طحين.
يصف مشهد المجزرة بقوله: "ما حدث بشعٌ جدًا، لقد كُتِب لي عمرًا جديدًا. لم أصدق يومها أنني عدت ولم أصبح أشلاء، كنت أقفز من فوق الجثث الملقاة، والدم يتناثر على الأرض، في حين لم تحضر الإسعافات أبدًا. أكياس الطحين كان لونها وردي لاختلاطها بدم أصحابها الذين قتلوا جائعين، وتركوا خلفهم عائلاتٍ ينتظرون رجوعهم بما يسد الرمق".
ويقول عبد الكريم نصر (36 عامًا): "خرجنا ثلاثة رجال، أنا وشقيقي وزوج شقيقتي، واتفقنا أنه إذا حصل ثلاثتنا كل واحدٍ على كيس طحين، سنُعدُّ الخبز ونوزع منه على النازحين، وإن لم نحصل سوى على واحد أو اثنين سنتقاسمه بيننا، لكن رصاص المجزرة أودى بحياة زوج شقيقتي الذي كان يحمل الكيس، فتقاسمنا الألم والقهر والجوع ولم نتقاسم الطحين".
ويشرح ما حدث: "خرجنا من حي الصبرة باتجاه النابلسي، كانت حشود الناس تطوف حول المكان كأنه يوم الحج، كبار في السن وأطفال ورجال، الكل يتزاحم ليأخذ نصيبه، اقترحتُ على زوج شقيقتي أن ننتظر قليلًا حتى يقل الزحام، وأشعلنا موقد النيران للتدفئة قرب الشاحنات، لكن الحشود كانت تزداد فالجميع يريد أن يأكل".
لم يستطع زوج شقيقته الانتظار طويلًا. كان يريد أن يأخذ كيس الطحين ليعود به مسرعًا إلى أطفاله البالغ عددهم ثلاثة يتضورون جوعًا. يتابع: "حدثت المجزرة لكنه أصر على الحصول على كيس طحين، نصحناه بعدم الاقتراب فرفض، وانتظرناهُ على مسافةٍ ليست بعيدة من المجزرة. كان شجاعًا فقد حصل وسط الزحام بشق الأنفس على كيس طحين، شاهدته عائدًا إلينا وكأنما حصل على كنز لفرحته، لكنه لم يتقدم كثيرًا حتى أطلقت طائرة كواد كابتر تجاهه نيرانها فسقط فورًا، وبجانبه كيس الطحين الذي أصبح لونه ورديًا بعدما تشرب دمه".
يصمت قليلًا مبتلعًا غصته قبل أن يكمل: "أسرعنا أنا وشقيقي لإنقاذه لكنه فقد حياته، أُصبنا بصدمةٍ كبيرة، وصرنا نتسائل: "كيف سنخبر زوجته وأطفاله الجوعى ينتظرون عودته نقول لهم: "استشهد والدكم وأمنيته إطعامكم حتى لا تموتوا من الجوع؟!".
ومع استمرار الحرب على قطاع غزة، يعاني 2,400,000 إنسان من النقص الحاد في الغذاء، وتتعمّق المجاعة بشكل أكبر في محافظتي شمال غزة وغزة، وهذه الكارثة بدأ يروح ضحيتها الأطفال، حيث ارتقى حتى الآن 15 طفلًا نتيجة الجوع وسوء التغذية والجفاف، وهذا يهدد حياة أكثر من 700,000 مواطن فلسطيني يعانون الجوع الشديد، وفق إحصاءات المكتب الاعلامي الكومي.
























