شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 مايو 2026م15:45 بتوقيت القدس

80% منهم متعطلون

أرزاق عمال غزة تحت ركام الإبادة

17 مايو 2026 - 14:42

خانيونس- شبكة نوى :

بكفٍ مثقل بالتعب، مسح بسام الحصيني (عامل بناء من مدينة خانيونس) قطرات العرق التي تصببت على جبينه، ليس بسبب مشقّة العمل تحت الشمس كما جرت العادة! بل لشدّة الحرّ داخل خيمته التي أصبح منذ عامين ونصف أسيرًا لها وللبطالة أيضًا.

فالكفّ الذي طالما جُرح بضربات المطرقة وخشونة حجارة البناء، "يستل لأبنائه الخبز والدفتر من الصخر" كما يصف الشاعر محمود درويش، بات اليوم عاجزًا عن إطعام أطفاله، بعدنا نسفت الحرب "صنعته"، وحوّلته إلى رقم إضافي في إحصائية العاطلين عن العمل.

بحزنٍ يروي الحصيني :"الحرب قلبت حياتي، وبدلًا من الاستيقاظ مبكرًا للذهاب إلى ورشة البناء، أصبحت أستيقظ على حجز دورٍ في طابور المياه الطويل، وبدلًا من انتظار أجرتي آخر الأسبوع، بات طعاني وشرابي متوقف على رسالة (توجّه) لاستلام طرد غذائي".

بعصبية ونبرة قهر يضيف :"لم تكن معيشتي مرتاحة قبل الحرب، لكن على الأقل كنت آكل وأطفالي من عرق جبيني، لا أحتاج أحدًا، وأحرص على تعليم أطفالي كي يكون حظهم في الدنيا أفضل من حظي، اليوم لا أستطيع توفير قلم ودفتر لاي منهم".

وقد ألقت الحرب بـ (550) ألف عاملة وعامل من شتي المهن بالضفة والقطاع، على قارعة طريق العوز، بدون أن تمنحهم الحياة "هدنة" لالتقاط أنفاسهم، أو كبح جماح الديون المتراكمة عليهم، حتى باتت شبحًا يطاردهم مع توالي موجات النزوح.

خالد أبو الخير صاحب ورشة لتصليح السيارات، تعرّض هو أيضًا لقرصنة الحرب التي صادرت ورشته ومصدر رزقه الوحيد، ليجد نفسه ومن معه من العمال في مهب ريح البطالة.

يقول :"تلقينا صدمة الحرب واضطررنا لمغادرة بيوتنا وعملنا، ولم يكن أمام سبيل سوى الاستدانة على أمل أن ينتهي هذا الوضع الطارىء بسرعة وأعود لعملي، لكن الأمر تحوّل وضع مستمر، بلا أي أفق ولا مؤشر إلى نهاية محتملة".

لم تكن ديون أبو الخير المتراكمة ضربًا من سوء الإدارة المالية من أجل حياة مرفهة، بل ضرورة دفعته إليها تكاليف النزوح الباهظة هربًا من الموت، ليجد نفسه مكبّلًا بها مثل مَرسى سفينة غليط يشدّه إلى القاع، أو كما يروي بمرارة :"أصبحت ملاحقًا وعاجزًا عن السداد، فلا مصدر دخل لي بعد ضياع ورشتي، حاولت فتح مشروع صغير لكن تحوّل إلى دَين إضافي، وبنيما كانت ورشتي ملاذًا لستة عمال، أصبحنا جميعًا أسرى للجوع والديون".

حالٌ يؤكده شاهر سعد، رئيس اتحاد نقابات عمال فلسطين، الذي صرّح لنوى أن العامل الفلسطيني بات مديونًا وعليه التزامات وأوامر حبس نتيجة عدم قدرته على السداد، فمنذ بداية الحرب ارتفعت نسبة البطالة وزاد جيش العاطلين عن العمل إلى (55) ألفًا، من أصل مليون ونصف هم عدد القوى العاملة، إذ بلغت نسبة البطالة في  الضفة الغربية 38% بينما قفزت إلى 80% في قطاع غزة.

وأمام هذه الازمة المستعصية التي يسعة الاحتلال الإسرائيلي إلى تعميقها من خلال خنق الاقتصادي الفلسطيني، يوضح سعد :"لم تغطي المساعدات المقدّمة لتشغيل العمال أكثر من 5% من الاحتياج الحقيقي، سيما مع إمعان حكومة الاحتلال المدعومة من الإدارة الأمريكية في منع وتقويض آلية دعم الدول المانحة".

لم تتوقف جرائم الاحتلال بحث العامل الفلسطيني عند حدود الاقتصاد، بل تجاوزتها بحدود منقطعة النظير، فمنذ 7 أكتوبر 2023م، ارتفى 50 شهيدًا من العمال بنيران قوات الاجتلال خلال محاولتهمكسب لقمة عيشهم داخل مدن وقرى الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، بينما سُجّل أكثر من 38 ألف حالة اعتقال، ترتبت على معظمهم غرامات مالية كبيرة، بينما حُرم 240 ألف عامل من الذهاب لأماكن عملهم.

تحديات كُبرى فرضتها هذه المتغيرات التي طالت أضرارها شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، تحكي السيدة هديل غبن عاملة سابقة في إحدى ورش الخياطة من شمال قطاع غزة وأم لثلاثة أطفال :"انفصلت عن زوجي منذ خمس سنوات، ومنذ ذلك الحين وأنا أعيل أبنائي وحدي، والدهم تخلى عن مسؤوليتهم فور الانفصال، وباتوا بأفواه فارغة تنتظر مني وحدي إطعامهم".

تكمل :"لم أنتظر شفقة من أحد، سارعات للالتحاق بأحد تدريبات تمكين السيدات، اخترت الخياطة لأنوالدتي كانت تعمل في هذا المجال سابقًا، وبدأت في العمل لصالح إحدى ورش تصينع الملابس للسوق المحلي، ورغم تدني الأجر لكنّي نجحت في أن أعيش وأولادي عيش الكفاف، لكن كل ذلك تبخّر منذ بدء الحرب".

من وسط دموعها تشتكي غبن عن مضايقات وإذلال تعيشه معظم السيدات أمام مراكز توزيع المساعدات، بينما ينفطر قلبها حزنًا على أطفالها الثلاثة، الذين تحوّلوا على صغرهم إلى باعة خبز متجولين، يزاحمون التدافع أمام المخابز للحصول على ربطة خبز، ويطوفون الشوارع لبيعها مقابل ربحٍ لا يزيد عن شيكل أو اثنين.

وأمام كل هذا الأسى، لا يزال العمال غائبون عن أجندة التدخلات الإنسانية الخاصة، دون  إقرار أي برامج إغاثة من المنظمات الدولية خاصة بالعمال المطحونين برحى الحرب، الذين كانوا أكثر الفئات المتضررين منها والمكتوين بنارها، مما يوجب قرع جدران الخزان، لعل هذه الصرخات الدامية تجد آذانًا مصغية، وقلوب رحيمة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير