غزة – شبكة نوى :
بين أزقة مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، تتجسد حكاية شعب في صورة اللاجئة التسعينية فاطمة أبو فنونة، التي تحمل بين يديها المجعّدتين ذاكرة ممتدة على خيوط أثواب مطرزة.
لم تكن هذه الأثواب مجرد ثياب زفاف مؤجلة، بل تحولت إلى سجلٍ صامت يروي فصول النكبة منذ عام 1948، ويُبقي جذوة الحنين والذاكرة مشتعلة رغم قسوة الزمن، رغم مرور 77 عامًا منذ أجبرت أبو فنونة وأسرتها على الهجرة قسرًا من بلدتها "قطرة" داخل فلسطين المحتلة.
أبو فنونة (95 عامًا) ليست مجرد لاجئة؛ فهي أم لأربعة أبناء أسرى محررين، وزوجها الراحل أيضًا خاض تجربة الاعتقال مبكرًا لدى الاحتلال الإسرائيلي في ستينات القرن الماضي.
خلال زياراتها لأبنائها في سجون الاحتلال، لم تكن هذه المرأة الصابرة مجرد زائرة، بل تحولت إلى "أم بديلة" لعدد من أسرى الدوريات العرب الذين لم يجدوا من يواسيهم، تقول لـ "نوى" بابتسامة حزينة: "كنت أعتبرهم أولادي، أواسيهم وأشد من عزيمتهم… السجن قاس، لكن كلمة طيبة تخفف عنهم الكثير".

على مدى عقود طويلة من عمرها المديد، عايشت أبو فنونة محطات مهمة وحروب متكررة على غزة، لكن الأصعب -كما تصف- هي حرب الإبادة الأخيرة، وعنها تقول: "هذه ليست حربا عادية، إنها حرب إبادة… فقدنا الأحبة والبيوت، ولم يبق لنا سوى الذكريات".
لدى أبو فنونة زهاء 250 من ذريتها، أبناءً وأحفادًا وأبناء الأحفاد وأحفاد الأحفاد أحدهم نجلها رأفت (58 عاما) وهو آخر أبنائها الأربعة، الذين اكتووا بتجربة السجن المريرة، تحررا من سجون الاحتلال في العام 1998.
أثناء الانتفاضة الأولى عام 1987 كان رأفت وأشقائه تيسير وعدنان ورفعت موزّعين على سجون الاحتلال، وكان لزامًا على والدتهم فاطمة أن تتنقل بين تلك السجون في زيارات مرهقة وشاقة.
يصف الأبناء والدتهم الصابرة بـ "الجبل"، حيث لم تكن تكتفي بزيارتهم، وإنما تزور معهم أسرى عرب، غيبتهم جدران السجون عن أهاليهم بعد وقوعهم في الأسر أثناء مشاركتهم في عمليات فدائية، وتحرص على المشاركة في فعاليات تضامنية مع الأسرى أمام مقار اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

"منذ اعتقال والدي في العام 1967 وحتى تحرري من سجون الاحتلال لم نجتمع سويا كأسرة واحد في شهر رمضان أو في عيد واحد أو في مناسبة واحدة"، يقول رأفت لـ "نوى".
ولم تنل مأساة السجن من رأفت الذي يتمتع بعزيمة قوية، يشير إلى أنه ورثها عن والديه، خاصة والدته، التي لا تزال تتمتع بذاكرة حية، وتتذكر تفاصيل النكبة، وقد عايشت التهجير القسري مرارًا منذ سنوات صباها وحتى وهي في أعقاب عمرها خلال حرب الإبادة، حيث اضطرت مع أسرتها إلى النزوح من مخيم النصيرات إلى مدينة رفح في أقصى جنوب القطاع.
ورغم كل ما مرت به، لا تزال "الحاجة فاطمة" تحتفظ بحلمها الكبير: العودة إلى قطرة، لتقضي ما تبقى من عمرها بين بساتينها وتدفن في أرضها.. حيث لعبت في طفولتها وارتسمت أولى ملامح الصبا على وجهها، الذي لا يزال يحتفظ بنبض الحياة رغم مآسي التهجير وويلات الحروب.
وتقول الحاجة فاطمة وهي تمسك بأثوابها والحنين يتلألأ في عينينها: "حاكت أمي هذه الأثواب لي، كجهاز عروسة، وحدثت النكبة، وحملتها معي في رحلة الهجرة القاسية. وتزوجت هنا في مخيم اللاجئين". وبعد لحظات صمت عابرة، أضافت بوعي ويقين: "أريد أن أعود إلى قطرة… أن أموت هناك على ترابها، حيث ولدت وكبرت".
حكاية هذه المرأة اللاجئة ليست مجرد سيرة شخصية، بل هي شهادة حية على جيلٍ كامل من اللاجئين الفلسطينيين الذين حملوا مفاتيح البيوت وأحلام العودة، وظلوا أوفياء لذاكرة الأرض رغم مرور عقود من التهجير، وهي مثال على أن النكبة لم تكن حدثًا عابرًا، بل جرحًا مفتوحًا يتوارثه الأبناء والأحفاد، ويتوارثون معه حلم العودة إلى مدنهم وبلداتهم في فلسطين المحتلة.




























