شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 11 فبراير 2026م10:17 بتوقيت القدس

بين "التحميل" و"التوزيع".. هكذا وصل "أوكسيكودون" لخبز الجياع بغزة!

10 فبراير 2026 - 11:17
صورة نشرها المكتب الإعلامي الحكومي بغزة لحبوب "أوكسيكودون" التي عثر عليها مواطنون في طحين المساعدات
صورة نشرها المكتب الإعلامي الحكومي بغزة لحبوب "أوكسيكودون" التي عثر عليها مواطنون في طحين المساعدات

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

الخامس والعشرون من يونيو/ حزيران 2025م، كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا، عندما أنهى زين عبده استعداداته للانطلاق إلى مركز توزيع المساعدات التابع لما تُسمّى "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة أمريكيًا وإسرائيليًا في منطقة "الطينة" جنوبي رفح.

عبده، الذي نزح إلى أحد مراكز الإيواء بمنطقة المواصي غربي مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة، واستقر بخيمةٍ هناك، كان يفصل بينه وبين المركز قرابة خمسة كيلومترات، قطعها مسرعًا على أمل العودة بما يسد رمق عائلته التي أنهكها الجوع، في وقتٍ أمعنت فيه حكومة الاحتلال حصارها على القطاع، ومنعت دخول المساعدات والبضائع.

هناك، تجمهر الآلاف من مختلف الأعمار. عند التاسعة فُتحت البوابة، واندفعت الحشود تحت رشقات الرصاص المتفرقة من قبل الجنود وحراس النقطة.

تدافع سريع، صراخ، وخطوات تتعثر عند مكعبات إسمنتية نُصبت كحواجز تعيق حركة الجائعين. ركض زين مدفوعًا بغريزة البقاء، وبدأ بتعبئة أكياسه بما وجده أمامه: كيلوين من الطحين، بعض المعلبات، وعبوات مياه قليلة. قبل أن تنتهي الساعة (المدة المحددة لانتهاء الاستلام)، غادر المكان على عجل قبل أن تتحول فرحة عائلته بالطحين إلى صدمة.

"أعدّت أمي الماء لعجن الخبز، لكنها لما فتحت الكيس وجدت بداخله أقراص دواء بألوان مختلفة. شكّت بالأمر وخشيت أن تكون نوعًا من السم فتراجعت فورًا عن استخدامه".

يقول: "أعدّت أمي الماء لعجن الخبز، لكنها لما فتحت الكيس وجدت بداخله أقراص دواء بألوان مختلفة. شكّت بالأمر وخشيت أن تكون نوعًا من السم فتراجعت فورًا عن استخدامه".

وبرغم إعلان "مؤسسة غزة الإنسانية"، الإثنين (24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م) انتهاء مهمتها في القطاع، إلا أن سجلًا من الدم والخروقات والانتهاكات لحقوق الإنسان سُجّل عليها في ذاكرة الإبادة. أحدها الحبوب المخدرة التي وجدها زين عبده، وغيره من مستلمي المساعدات هناك في أكياس دقيقهم، وسط تساؤلات لم يجدوا لها حتى اليوم إجابة: لماذا تُخبّأ حبوبٌ كهذه في طحين الجائعين؟ وكيف وصلت إليها أصلًا؟

إفادات شبيهة وصور ومقاطع فيديو..

في السابع والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي، ذاته الشهر الذي وجد فيه زين الحبوب في الطحين، أصدر المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، بيانًا استنكر فيه -بشكل واضح- وجود أقراص مخدرة داخل أكياس الطحين التي وصلت المواطنين من مراكز المساعدات التي تشرف عليها الولايات المتحدة و"إسرائيل".

وأكد المكتب ورود 5 إفادات خلال أيام قليلة، تشير إلى عثور مواطنين على أقراص مخدرة، عُرف أنها من نوع أوكسيكودون " Oxycodone" داخل أكياس طحين، قادمة من مراكز المساعدات الأمريكية الإسرائيلية.

وأشار إلى أن الخطورة الأكبر، تكمن في أن تكون تلك الحبوب قد طُحنت أو ذُوّبت عمدًا داخل الطحين نفسه، وهو ما يُعدّ "اعتداءً مباشرًا على الصحة العامة".

بعدها، توالت صور ومقاطع فيديو، نشرها مواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر عثورهم على أقراص مخدرة من النوع المذكور، تحمل الرمز "G 80" مخفية داخل قصدير، وذلك أثناء فتح بعض أكياس الطحين المسروقة، التي كانت تُباع في أسواق قطاع غزة.

و"أوكسيكودون" هو من أقوى أنواع المسكنات الأفيونية، ويستخدم لتخفيف الآلام الشديدة والمزمنة، لدى مرضى السرطان أو بعد العمليات الجراحية الكبرى، وفقًا لموقع " drugs.com "، ويُصنّف كمادة مخدّرة شديدة الخطورة، إذ يمنح شعورًا بالمتعة والنشوة، كما يؤثر على مستقبلات محدّدة في الجهاز العصبي، ما يُسبّب الإدمان الشديد، وانخفاض معدل ضربات القلب، وضعف الوعي والإدراك، والاكتئاب التنفسي الخطير.

"لا تتبع لشركات النقل المحلية"

في تلك الفترة، وبرغم صعوبة الحركة تنقّل معدّا التحقيق بين شمالي القطاع وجنوبه، واقتربا من مراكز توزيع المساعدات التابعة للمؤسسة، لجمع إفادات حول القضية، من مواطنين وسائقي شاحنات ومصادر خاصة.

ما تكشّف لمعدّي التحقيق آنذاك، أن الشاحنات التي تنقل الطحين هي شاحنات مفتوحة تتسع لحمولة أربعين طنًا، وليست "مقطورة" كما أُشيع، لكنها لا تحمل فعليًا أكثر من عشرين طنًا من الطحين، يتم تفريغها داخل "بركسات" خاصة بمراكز التوزيع الخاصة بمؤسسة "غزة الإنسانية".

مصدر أمني خاص -اشترط عدم ذكر اسمه- أوضح أن هذه الشاحنات تأتي من داخل "إسرائيل"، وتكون محاطة بحراسة أمنية مشددة من قبل جنود جيش الاحتلال، وتحمل لوحات صفراء. لكن عند دخولها إلى القطاع، تُرفع اللوحات عنها وتبقى بلا أرقام، ثم تُفرغ حمولتها في ساعات متأخرة من الليل، قبل أن تعود من المسار ذاته، عبر ما يسمى محور "موراج" جنوب غرب القطاع، إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م.

ورغم هذه السرية، يؤكد مدير عام جمعية شركات النقل الخاص في قطاع غزة ناهض شحيبر، أن الشاحنات التي كانت تنقل المساعدات لمراكز التوزيع التابعة لمؤسسة "غزة الإنسانية"، لا تتبع لشركات النقل المحلية.

ويقول لـ"نوى": "إن المساعدات تدخل عبر مركبات أمريكية وإسرائيلية محمية، تتحرك من منطقة (نيتساريم) وسط القطاع إلى محور (موراج) بخان يونس ثم تعود إلى "إسرائيل"".

وينفي شحيبر أي علاقة لشركات النقل الخاص بإدخال الشاحنات المحمّلة بالدقيق والمساعدات الإنسانية، مشددًا على أن الجمعية أصدرت تعميمًا بمنع التعاون مع هذه المؤسسة، والتزم الجميع بذلك.

ويوضح أن الشركات المحلية لا تتحكم بمواقع أو آليات التوزيع، ولا تعلم شيئًا عن محتوى الشحنات مثل الحبوب أو الطحين، وأن التنسيق يتم فقط بين الاحتلال والأمم المتحدة، فيما تقتصر مهمة الشركات على التنفيذ الفني لنقل البضائع. كما يؤكد أن شركات النقل لا تتحمل أي مسؤولية عن توزيع المساعدات أو محتواها.. لكن ما يحدث داخل مراكز التوزيع يروي قصة أخرى.

تبغ ونيكوتين أيضًا!

محمد إياد (وفضل عدم ذكر اسم عائلته)، كان أحد المترددين على مركز توزيع المساعدات التابع لذات المؤسسة غربي مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، أدلى بشهادة خطيرة.

يخبرنا أنه يتوجه إلى المركز بين مرتين وثلاث مرات أسبوعيًا لتأمين احتياجات أسرته، وخلال ذلك لاحظ أن بعض المواطنين عثروا قبل نحو شهر على حبوب مخدرة داخل أكياس الدقيق، إضافة إلى نيكوتين وأوراق تبغ كانت مخبأة في عبوات كاتشب وباكيتات شاي. بعض هذه المواد، وفق إياد، بيعت لاحقًا بمبالغ مرتفعة في الأسواق على مرأى عينه، وهو ما أكد شكوكه حول أهداف هذه الشحنات.

"عملية التوزيع نفسها كانت تتم في ظروف بالغة الخطورة، حيث كان الجنود -وأحيانًا موظفون أمريكيون- يطلقون النار بشكل مباشر على المجوّعين المنتظرين للمساعدات".

ورغم تكرار الحوادث، والانتقادات المحلية والدولية، واصلت المؤسسة توزيع المساعدات دون تنسيق مع "الأونروا" أو أي من الجهات الإغاثية المعترف بها، في ظل فوضى أمنية متعمدة. يقول إياد: "عملية التوزيع نفسها كانت تتم في ظروف بالغة الخطورة، حيث كان الجنود -وأحيانًا موظفون أمريكيون- يطلقون النار بشكل مباشر على المجوّعين المنتظرين للمساعدات".

إفادات مشابهة وردت من عدد من المواطنين (الذين قابلهم معدّا التحقيق وطلبوا عدم ذكر أسمائهم خشية الملاحقة الأمنية)، أكدوا عثورهم على حبوب مخدرة وتبغ ونيكوتين داخل المساعدات، وقيام بعضهم ببيعها بأسعار مرتفعة.

"مان- تشيكبوست حيفا"

في الخامس من شهر تموز/ يوليو 2025م، حصلت ياسمين (في الثلاثينات من عمرها) على كيس طحين بوزن كيلوغرام واحد، بعد انتظار طويل في ظل المجاعة التي ضربت أطناب القطاع.

فرحتها لم تدم طويلًا. داخل الدقيق الأبيض، وجدت أقراصًا دوائية غريبة، فحملتها إلى أقرب صيدلية في مكان نزوحها داخل مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، لتكتشف أنها ليست كما ظنت "مكملات غذائية"، بل "أوكسيكودون" أيضًا.

تقول: "أصابني الهلع. فضّلت التخلص من الطحين كاملًا رغم ندرته على أن يصاب أفراد عائلتي بمكروه".

بوصفٍ دقيقٍ للكيس الذي عاينه معدّا التحقيق، فهو مصنوع من الورق المقوى أبيض اللون، كُتب عليه بالعبرية على جهة، وتُرجم للعربية على الجهة الأخرى، أنه من إنتاج شركة "مان- تشيكبوست حيفا" في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وباللجوء إلى محركات البحث على الإنترنت، وأدوات الذكاء الاصطناعي، لم تتوفر أي معلومات عن "شركة مان للدقيق" -باسمها هذا تحديدًا- (أي لا تظهر كشركة معروفة أو مسجّلة على الدليل التجاري أو في سجلات الشركات المتعلقة بصناعة الدقيق في فلسطين)، ما يضع تساؤلات حول المنتَج وحقيقة المصنع، ومؤسسة غزة، وتوريدها الطحين إلى القطاع.

مدير المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة، كشف عن تسجيل أكثر من خمس حالات موثقة في عدة مناطق، آخرها كان في دير البلح وسط القطاع، حيث عُثر على حبوب مشبوهة داخل أكياس طحين.

وأوضح أن الجهات المختصة، شرعت مع وصول أول إفادة، بإجراءات تشمل الرصد والتوثيق، وأخضعت الأقراص الدوائية للفحص المخبري، وأطلقت تحذيرات إعلامية، وتواصلت مع المنظمات الدولية لتحميل الاحتلال المسؤولية، والمطالبة بآلية رقابة دولية على المساعدات.

جهات إسرائيلية أمريكية

محمد موسى أيضًا، يروي كيف توجّه في يومٍ من أواخر تموز الماضي، إلى سوق النصيرات وسط قطاع غزة؛ لشراء الطحين بعد انقطاعه وارتفاع أسعاره.

اشترى كيسين بوزن كيلوغرامين، لكنه ما إن عاد إلى منزله حتى رصد هو الآخر الأقراص الدوائية الملونة مدسوسة فيه. أتلف الكيسين، لا سيما وقد سمع عن عائلات تعرضت لمشاكل صحية بعد أن ظنتها مكملات غذائية، وقرر إكمال يوم عائلته بلا خبز.

تحدث الخالدي عن قيء وإسهال، ودوار شديد أصاب عائلة جيرانه، بعدما تناولوا طحينًا احتوى على بعض الحبوب الملونة. "ظنوه مكملًا غذائيًا".

يرجح موسى أن تكون تلك الحبوب متبقية من عملية طحن شملت كميات أكبر، وخُلطت بالطحين، بينما يشكك مواطنون آخرون (أحدهم يُدعى محمد الخالدي)، بأن تكون تلك الحبوب، قد أُرسلت إلى جهات بعينها بمقابل مادي كبير، لبيعها في الأسواق الغزية، والتربّح منها.

تحدث الخالدي عن قيء وإسهال، ودوار شديد أصاب عائلة جيرانه، بعدما تناولوا طحينًا احتوى على بعض الحبوب الملونة. قال: "ظنوه مكملًا غذائيًا، عجنوا خبزهم، وأكلوه، ليفيقوا في اليوم التالي بأعراض صعبة للغاية".

تحذيرات عديدة، أطلقها نشطاء فلسطينيون خلال الأشهر القليلة تي سبقت إعلان وقف إطلاق النار، داعين العائلات إلى فحص الطحين بدقة. وتحدث غالبيتهم عن احتمال تورط جهات إسرائيلية وأمريكية في تمرير شحنات مساعدات "ملغومة" تستهدف ضرب النسيج المجتمعي من الداخل.

الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" تبنّت هذا الاتهام. مديرة الدائرة القانونية فيها رنا هديب قالت: "إن التحقيقات أثبتت العثور على عبوات صغيرة من "الكبتاغون" مخبأة داخل أكياس طحين مقدمة من الولايات المتحدة، عبر آليات تنسيق تخضع للرقابة الإسرائيلية والأمريكية، ما يوحي بوجود شبكة معقدة ومخطط أوسع".

الصيدلاني ذو الفقار سويرجو، أكد أن "الأوكسيكودون" مخدر قوي لا يُستخدم إلا تحت إشراف طبي صارم، وأن خلطه بمواد غذائية يجعل اكتشافه شبه مستحيل للمواطن العادي.

في حين، يشدد المستشار القانوني أحمد المصري، على أن إدخال مواد مخدرة عبر المساعدات الإنسانية، جريمة جنائية دولية، تقع مسؤوليتها على الاحتلال ومؤسسة "غزة الإنسانية"، "التي قُتل في إطار استلام مساعداتها أكثر من 900 إنسان، وأصيب أكثر من 5700 منذ بدئها التوزيع في 27 من مايو/ أيار 2025م".

وينبه محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام، وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، بدوره، إلى أن الأدلة المتراكمة تشير إلى تورط ما كانت تُسمى بـ"مؤسسة غزة الإنسانية" في جريمة منظمة تهدف إلى قتل الفلسطينيين بطرق خفية تحت ستار العمل الإنساني.

محمد مهران: "الأدلة المتراكمة تشير إلى تورط ما كانت تُسمى بـ"مؤسسة غزة الإنسانية" في جريمة منظمة تهدف إلى قتل الفلسطينيين بطرق خفية تحت ستار العمل الإنساني".

ويشير إلى أن القانون الدولي يلزم جميع الدول بعدم التعامل مع الكيانات التي تستخدم المساعدات الإنسانية كغطاء لارتكاب الجرائم، داعيًا لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في هذه الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.

وشدد على أن مثل هذه الجرائم، تشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وتتطلب استجابة دولية عاجلة وحاسمة لحماية الشعب الفلسطيني من الإبادة الممنهجة، التي تخيم على غزة منذ أكثر من عامين، "تحت ستار العمل الإنساني الزائف" على حد تعبيره.

في تتبّع مسار "الطحين الملغوم" من لحظة تحميله، مرورًا بالشاحنات المحمية، ونزع اللوحات، والتفريغ الليلي داخل مراكز مغلقة، وصولًا إلى موائد الجوع، لا تبقى الأسئلة معلّقة كما يُراد لها. فالجهة التي تسيطر على المعابر، وتؤمّن الشاحنات، وتحدد مساراتها، وتفرض السرية على محتواها، هي ذاتها الجهة التي تتحمل المسؤولية الكاملة عمّا يصل إلى أيدي المدنيين.

ليست الحبوب المخدرة حادثًا عابرًا، ولا خطأ فرديًا، بل واقعة حدثت تحت نظام سيطرة كامل، وبغطاء أمني، وداخل مسار مساعدات خارج أي رقابة دولية مستقلة.

وبينما يُجبر الفلسطيني على الاختيار بين الجوع والخطر، تتكشّف حقيقة المساعدات التي دخلت غزة عبر الاحتلال: مساعدات بلا ضمانات، وبلا مساءلة، تحوّلت من طوق نجاة إلى تهديد صامت. وهنا، لا يكون السؤال: من دسّ الحبوب؟ بل: من فتح الطريق، وأغلق العيون، وترك الجوعى يكتشفون السم بأيديهم؟

كاريكاتـــــير