قطاع غزة:
حين يفتح عصام الحلبي دفتره السميك داخل متجره الصغير، لا يبدو كصاحب بقالة بقدر ما يبدو كموظف حسابات يتابع ملفات مدينة كاملة، تمتد الأسماء على صفحات طويلة، تتبعها أرقام وتواريخ وملاحظات قصيرة كُتب بعضها على عجل، يتوقف عند أحد الأسماء ويقول: "هذه أرملة لديها أربعة أطفال"، ثم ينتقل إلى اسم آخر: "وهذا شاب جامعي"، قبل أن يغلق الدفتر متنهدًا.
خلال سنوات حرب الإبادة على قطاع غزة، صار البيع بالدين جزءًا من تفاصيل العيش، يدخل الناس إلى البقالات والبسطات التي يعرفون أصحابها حاملين حاجتهم أكثر مما يحملون المال، ويخرجون بأكياس قليلة من الطعام ووعد مؤجل بالسداد.
ومع اتساع رقعة الفقر وفقدان مصادر الدخل، تحولت دفاتر الديون إلى سجل يومي لحياة آلاف العائلات التي تحاول عبور أيامها بأقل الخسائر الممكنة.
معدلات البطالة في القطاع وصلت إلى قرابة 80% فيما تجاوزت معدلات الفقر 90%
من بين الأسماء المسجلة في دفتر عصام، اسم سمية درويش، التي تعيش مع أطفالها الأربعة في غرفة مستأجرة بعد استشهاد زوجها.
تتحدث المرأة الأربعينية عن رحلة نزوح طويلة تنقلت خلالها بين المدارس والخيام وقطع الأراضي الفارغة قبل أن تستقر مؤقتًا في الغرفة التي تعيش فيها اليوم، خلال تلك الرحلة باعت مصاغها الذهبي قطعة بعد أخرى لتأمين تكاليف التنقل والإيجار والطعام.
تقول: "وصل بي الحال للاستدانة وأنا التي لم أفعلها يومًا. كان وضعنا المادي مستقرًا، وزوجي يملك محلًا لبيع الملابس، ولم نكن نحتاج إلى سؤال أحد". ثم تضيف: "بعد استشهاده اكتشفت أن أصعب ما يمكن أن تواجهه المرأة ليس الفقد وحده، بل مسؤولية الاستمرار بعده".
كل شهر تبدأ الحسابات ذاتها؛ إيجار الغرفة، احتياجات الأطفال، والديون المتراكمة لدى البقال، وحين تنتهي من حسبتها هذه، تكتشف أن ما يلزمها لقادم الأيام أكبر مما تملكه بكثير.
أكبر أبنائها، أحمد، يجلس كل صباح أمام حاسوبه المحمول في مساحة عمل متواضعة محاولًا الحفاظ على مقعده الجامعي، يدرس ويعمل مساء نادلًا في أحد المقاهي لساعات طويلة، ثم يعود إلى المنزل ليساعد أسرته في المصاريف اليومية.
يخبرنا أنه لم يعد لديه وقت كافٍ لأي شيء، كان يحلم أن تشغله سنوات الجامعة بالتدريب والتخطيط للمستقبل، لكنه وجد نفسه يفكر في الرسوم الجامعية وثمن المواصلات وكلفة الإنترنت أكثر من أي شيء آخر، مشيرًا: "كل مبلغ أحصل عليه أعرف مسبقًا أين سيذهب. لا يبقى منه شيء تقريبًا".
في قصة ثانية، محمد أبو عودة وهو أب لطفلة رضيعة لم تكمل عامها الأول بعد، يحمل طفلته بين ذراعيه وهو يتحدث عن أكثر ما يشغله منذ شهور؛ الحليب والحفاضات.
يروي: "كنت أظن أن توفير الطعام هو التحدي الأكبر، ثم اكتشفت أن الطفل الصغير يحتاج إلى أشياء لا يمكن تأجيلها يومًا واحدًا وهذا ما يجبرنا على الدين رغم كل محاولاتنا الاستكفاء من الطعام عن طريق المساعدات مهما كانت كميتها قليلة".
قبل الحرب، كان يعمل في قطاع البناء، لكن توقف المشاريع وندرة فرص العمل دفعاه إلى البحث عن أي مصدر رزق مؤقت، وفي الوقت الحالي يعمل أحيانًا في نقل البضائع أو إزالة الركام أو تحميل الشاحنات، إلا أن أيامًا كثير تمر دون أن يجد فرصة واحدة.
يتذكر صباحات كثيرة خرج فيها بحثًا عن عمل وهو يفكر فقط في ثمن علبة الحليب التالية، متسائلًا: "في بعض الأيام أعود آخر النهار وأفكر: كيف سأؤمن الحليب غدًا؟ ماذا سأقول لصاحب الدكان؟ هل سيراعي ظرفي؟ وهو أيضًا ظروفه سيئة".
أما أيمن النجار، وهو أب لخمسة أطفال، فيعيش مع أسرته في خيمة نزوح بعد أن فقد مصدر دخله الذي كان يعتمد عليه قبل الحرب كسكرتير في إحدى الشركات التجارية، يتنقل بين أعمال مؤقتة لا تستمر طويلًا؛ يوم في تحميل البضائع، وآخر في تنظيف الأنقاض، وثالث في أي عمل يمكن أن يوفر له أجرًا يوميًا.
أصبحت أكثر من 95% من الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية بشكل رئيسي.
لم يعد الرجل يبحث عن وظيفة مستقرة، بل عن يوم عمل واحد، يغطي فيه احتياجات أسرته والتخفيف من ديونه، إذ يخرج مع ساعات الصباح الأولى ويعود مساءً بما تيسر من المال، لكنه يكتشف في كل مرة أن الأسعار تبتلع ما جمعه قبل أن يصل.
يتابع: "أحيانًا أعمل يومًا كاملًا، ثم أكتشف أن ما كسبته يكفي بالكاد لوجبة أو وجبتين. أشعر وكأنني أجري في مكاني". ورغم ذلك يواصل البحث عن أي فرصة عمل، قائلًا: "لا أريد من أحد أن يسدد عني ديوني، أريد فقط فرصة تمكنني من سدادها بنفسي".
ومن الجدير ذكره هنا، إلى أن معدلات البطالة في القطاع وصلت إلى قرابة 80% فيما تجاوزت معدلات الفقر 90% وأصبحت أكثر من 95% من الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية بشكل رئيسي.
























