شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 27 يوليو 2026م19:59 بتوقيت القدس

الطفل محمد أبو عجوة..

ثلاث سنوات.. وشظيّة تهدد العُمر كله!

27 يوليو 2026 - 19:02
الطفل الجريح محمد أبو عجوة
الطفل الجريح محمد أبو عجوة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يعد محمد أبو عجوة، ذو الأعوام الثلاثة، يعرف الطفولة كما يعرفها الأطفال في مثل عمره. لم تعد خطواته الصغيرة تملأ أرجاء المنزل، ولا صوته يسبق حركته في المكان، فقد أصبح جسده الصغير حبيس كرسي متحرك، ترافقه الآلام والأدوية، وينتظر فرصة علاج قد تعيد إليه ما سلبته الحرب.. القدرة على الوقوف والمشي.

هادئ الملامح، يحمل محمد في جسده قصة أكبر من عمره: شظيةٌ إسرائيلية أصابت عموده الفقري فأفقدته الحركة، وأخرى استقرت بالقرب من قلبه، لتبقى حياته معلقة بين الألم والأمل، فيما تراقب والدته حالته يومًا بعد آخر، عاجزة أمام ما يحتاجه طفلها سوى بالدعاء والانتظار.

عانى محمد من نزيف داخلي، وإصابة في النخاع الشوكي تسببت بشلل نصفي، ثم التهابات حادة في الكلى تطورت لاحقًا إلى فشل كلوي.

إصابة محمد لم تكن مجرد لحظة قصف وانتهت، بل بداية رحلة طويلة من المعاناة الطبية، فقد عانى من نزيف داخلي، وإصابة في النخاع الشوكي تسببت بشلل نصفي، ثم التهابات حادة في الكلى تطورت لاحقًا إلى فشل كلوي، ما أدخله في رحلة علاج طويلة بين مستشفيات قطاع غزة، في ظل إمكانات طبية محدودة لم تعد قادرة على التعامل مع الإصابات المعقدة التي خلفتها الحرب.

اليوم، تقف الأسرة أمام سباق مع الزمن، فكل يوم يمر دون إجراء العملية المطلوبة يزيد من خطورة وضع محمد، ويقلل فرص استعادته للحركة، بينما تؤكد التقارير الطبية أن علاجه داخل القطاع لم يعد ممكنًا، وأن إنقاذ حياته يحتاج إلى نقله بشكل عاجل إلى الخارج.

"كان يلعب مع الأطفال، وفجأة استُهدف المكان بالقصف. خلال لحظاتٍ تحول المكان إلى دم ودمار، وأصيب عدد من الأطفال، وبعضهم استشهد".

تحكي والدته، أم يامن أبو عجوة، لـ"نوى"، كيف تغيرت حياة طفلها بالكامل في أول أيام عيد الفطر قبل الماضي، حين كان يلعب أمام منزل العائلة الواقع قرب نادي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وتقول: "كان يلعب مع الأطفال، وفجأة استُهدف المكان بالقصف. خلال لحظاتٍ تحول المكان إلى دم ودمار، وأصيب عدد من الأطفال، بعضهم استشهد، وبعضهم أصيب بجراحٍ خطيرة".

وتضيف: "شظايا الانفجار أصابت محمد بشكل مباشر في العمود الفقري، فسقط على الأرض عاجزًا عن الحركة، وسط حالة من الفوضى والخوف. ومع صعوبة وصول سيارات الإسعاف بسبب القصف وخطورة المنطقة، حمله والده بين ذراعيه وركض به لمسافة طويلة نحو مستشفى المعمداني، رغم أن الأب نفسه يعاني من فقدان في الذاكرة"، معقبةً بحرقة: "كان هدفه الوحيد الوصول إلى مكانٍ يمكن أن ينقذ حياة طفله".

في مستشفى المعمداني -وفق الأم- تمكن الأطباء من إجراء التدخلات الطبية الأولية لوقف النزيف وتثبيت حالة محمد، قبل تحويله إلى مستشفى أصدقاء المريض، حيث بقي قرابة شهر يتلقى العلاج والرعاية الطبية، "لكن الفحوص اللاحقة كشفت أن الإصابة كانت أكثر تعقيدًا مما ظهر في البداية" تستدرك.

وتوضح أن الأطباء اكتشفوا وجود نزيف داخلي وإصابة مباشرة في النخاع الشوكي تسببت بإصابته بالشلل النصفي، إضافة إلى مضاعفات خطيرة في الكلى، ما استدعى نقله إلى مستشفى الرنتيسي لتلقي العلاج الخاص بالفشل الكلوي، حيث أمضى شهرًا آخر بين المتابعة الطبية والفحوص المستمرة.

بقاء الشظية المستقرة بالقرب من القلب يشكل خطرًا مستمرًا على حياة محمد، لذلك أوصوا بضرورة الإسراع في استكمال إجراءات تحويله للعلاج خارج القطاع.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت حياة محمد سلسلة من الانتظار؛ انتظار موعد علاج، وانتظار تحسُّن، وانتظار فرصة للسفر.

وتشير أم يامن إلى أن الأطباء أكدوا للأسرة أن الإمكانات الطبية داخل قطاع غزة لا تسمح بإجراء الجراحة الدقيقة التي يحتاجها طفلها، وأن بقاء الشظية المستقرة بالقرب من القلب يشكل خطرًا مستمرًا على حياته، لذلك أوصوا بضرورة الإسراع في استكمال إجراءات تحويله للعلاج خارج القطاع.

وبحسب التحويلة الطبية، يحتاج محمد إلى السفر لأحد المراكز المتخصصة في ألمانيا أو إيطاليا لإجراء عملية جراحية دقيقة لإزالة الشظية، يليها برنامج علاج طبيعي وتأهيل مكثف، قد يمنحه فرصة لاستعادة القدرة على الحركة.

حاجة محمد إلى متابعة طبية وتأهيل عصبي مستمر تفوق ما تستطيع المستشفيات المحلية توفيره في ظل نقص الأجهزة والأدوية والكوادر المتخصصة.

تضيف والدته بصوت يختلط فيه الخوف بالرجاء: "لا أريد شيئًا سوى أن أراه يقف على قدميه من جديد. أريد أن يعيش طفولته مثل بقية الأطفال، أن يلعب ويركض بدلًا من أن يبقى أسير هذا الكرسي".

ولا تقف خطورة حالة محمد عند فقدان القدرة على المشي، فالشظية القريبة من القلب تجعل التأخير في علاجه تهديدًا مباشرًا لحياته، كما أن حاجته إلى متابعة طبية وتأهيل عصبي مستمر تفوق ما تستطيع المستشفيات المحلية توفيره في ظل نقص الأجهزة والأدوية والكوادر المتخصصة.

تعيش الأسرة اليوم بين أروقة المستشفيات ومكاتب التحويلات الطبية، تلاحق أي فرصة قد تفتح الطريق أمام سفر طفلها، فيما يزداد ثقل الانتظار مع صعوبة خروج المرضى من القطاع.

قصة محمد ليست حكاية طفل واحد فقط، بل صورة لطفولة واسعة في غزة وجدت نفسها تحمل آثار الحرب في أجسادٍ صغيرة. أطفالٌ فقدوا قدرتهم على الحركة، أو ينتظرون عمليات لا تتوفر داخل القطاع، أو يقفون أمام أبواب العلاج المغلقة.

أما محمد، فلا يطلب سوى فرصة واحدة: أن تُمنح ساقاه فرصةً للعودة إلى الحياة، وأن يستعيد تلك الخطوات الصغيرة التي أخذتها منه الحرب.

كاريكاتـــــير