شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 22 يوليو 2026م14:17 بتوقيت القدس

"ملف مصنف سرّي" و"الأسيرة"..

"الذاكرة تكتبُ" نفسها في أدبيات عاطف سلامة

22 يوليو 2026 - 12:48

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لا يختار الكاتب والروائي د.عاطف سلامة عنوان روايته بوصفه اسمًا عابرًا، بل يراه بوابة أولى إلى عالمها. لذلك جاء عنوان "ملف مُصنَّف سري" محمّلًا بطبقات من المعنى؛ فالملف في الرواية ليس مجرد وثيقة أمنية أو سياسية محفوظة خلف أبواب مغلقة، بل هو الإنسان نفسه، بما يحمله من أسرار وذاكرة وخوف وفقدان.

يوضح سلامة أن الرواية، رغم انطلاقها من أجواء الحرب وما يرتبط بها من أسرار عسكرية ومراكز قيادة وتحقيق، تبحث في الملفات التي تتركها الحرب داخل النفس البشرية: ملفات الخوف والنجاة والهوية والضمير، أما وصفها بأنها "مُصنَّفة سريًا"، فيحمل دلالة رمزية على الحقائق التي تبقى محجوبة في زمن الحروب، لا لأنها مجهولة، بل لأن أحدًا لا يريد لها أن تُرى كاملة.

لا تنشغل الرواية بالحرب بوصفها حدثًا عسكريًا فحسب، بل بالإنسان الذي يجد نفسه في مواجهتها، وبالطريقة التي تعيد بها تشكيل وعيه وأخلاقه ونظرته إلى نفسه والآخر.

ومن هذا المنطلق، لا تنشغل الرواية بالحرب بوصفها حدثًا عسكريًا فحسب، بل بالإنسان الذي يجد نفسه في مواجهتها، وبالطريقة التي تعيد بها تشكيل وعيه وأخلاقه ونظرته إلى نفسه والآخر، ويقول سلامة إن انطلاق الرواية من الواقع الفلسطيني كان طبيعيًا، لأن غزة بالنسبة إليه ليست فكرة أو خبرًا عابرًا، بل تجربة إنسانية عاش تفاصيلها، لكنه حرص في الوقت نفسه على ألا تبقى الرواية أسيرة الجغرافيا أو اللحظة التاريخية، فأسئلتها تتجاوز فلسطين إلى كل إنسان عرف الحرب والخوف والقهر.

ويعود سلامة إلى الشرارة الأولى التي ولدت منها الرواية، متذكرًا صورة إنسان يبقى حيًا تحت الأنقاض، ولا يملك سوى فتحة صغيرة يرى من خلالها العالم. من هذه الصورة بدأ السؤال: ماذا يفعل الزمن بوعي الإنسان حين يُعزل عن العالم؟ وكيف يمكن لمشهد واحد أن يعيد تشكيل نظرته إلى نفسه والآخرين؟ هكذا تحولت الفكرة إلى رحلة نفسية وإنسانية تتجاوز مجرد البقاء تحت الركام.

ورغم استناد الرواية إلى تجربة الحرب وتفاصيلها اليومية، وإلى مئات المشاهد والقصص التي شكلت الذاكرة الجمعية الفلسطينية، يؤكد سلامة أنها ليست توثيقًا لحدث بعينه ولا نقلًا حرفيًا لشهادة شخصية.

فالواقع -كما يقول- منح الرواية نبضها، بينما منحها الخيال روحها، ومن هنا جاء التحدي في تحقيق توازن بين صدق الوقائع وجماليات الفن، بحيث لا تتحول الرواية إلى تقرير أو وثيقة، ولا ينفصل الخيال عن الحقيقة الإنسانية التي انطلقت منها.

وفي هذا السياق، يرى سلامة أن الرواية لا تنافس التاريخ، بل تكمله من زاوية مختلفة، فالتاريخ يوثق التواريخ والأرقام والوقائع، بينما تستطيع الرواية أن تحفظ ما لا تستطيع الوثائق الرسمية تسجيله: خوف الإنسان، وصوته، وأحلامه، وما يتركه الحدث في الروح. وفي الحالة الفلسطينية، تمنح الرواية الإنسان اسمه ووجهه وصوته، وتعيده من خانة الأرقام إلى مساحة الحكاية.

ويولي سلامة بناء الشخصيات أهمية خاصة، مؤكدًا أنه لم يرد لها أن تكون مجرد أدوات لتحريك الأحداث، بل شخصيات حية تحمل تناقضاتها وضعفها وأسئلتها.

وتبدو شخصية "آدم" الأقرب إليه، لأنها تمثل الإنسان الذي يجد نفسه فجأة أمام واقع يفوق قدرته على الفهم، ويحاول التمسك بعقله وإنسانيته وسط العزلة والخراب.

من "ملف مُصنَّف سري" ننتقل مع الكاتب إلى رواية "الأسيرة"، التي تقترب من زاوية مختلفة من علاقة الإنسان بالآخر في ظل الحرب.

ولم تكن العلاقة التي تنشأ بين الشخصيتين محاولة لتبرير الوقوع في الحب أو تجاوز التعقيدات النفسية والأخلاقية المرتبطة بالأسر، بل محاولة لاستكشاف سؤال أكثر عمقًا: هل تستطيع الحرب أن تمنع الإنسان من رؤية إنسانية الآخر؟

لذلك لم تولد العلاقة في الرواية من الأسر أو العجز أو الخوف، بل من رحلة طويلة من الحوار والاحتكاك واكتشاف العالم الداخلي لكل شخصية.

فالحب، إن أمكن وصف العلاقة بذلك، ليس حدثًا مفاجئًا، بل تحول بطيء يمر عبر الشك والرفض والغضب والمراجعة، قبل أن يصل إلى لحظة يرى فيها كل طرف الإنسان قبل الهوية أو الزي العسكري.

اختيار "ألينا" كمهاجرة روسية تبحث عن حياة أفضل، وليست إسرائيلية مؤمنة إيمانًا عقائديًا بالمشروع الصهيوني، كان مقصودًا لفتح أسئلة حول مسؤولية الإنسان عن الخيارات التي لم يصنعها..

ويشير سلامة إلى أن اختيار "ألينا" كمهاجرة روسية جاءت بحثًا عن حياة أفضل، وليست إسرائيلية مؤمنة إيمانًا عقائديًا كاملًا بالمشروع الصهيوني، كان مقصودًا لفتح أسئلة أكثر تعقيدًا حول مسؤولية الإنسان عن الخيارات التي لم يصنعها بنفسه، وحول اللحظة التي يصبح فيها الفرد جزءًا من منظومة أكبر منه.

ولم تكن الأنفاق في "الأسيرة" مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل تحولت إلى شخصية روائية ورمز يجمع العتمة والرجاء، والخوف والأمان، والموت والحياة.

ففي هذا الفضاء الضيق تسقط الأقنعة، وتضطر الشخصيات إلى مواجهة بعضها ومواجهة ذواتها، لتصبح الأنفاق استعارة للحالة الفلسطينية نفسها؛ انتظار الضوء وسط عتمة طويلة.

الرواية لا تسعى إلى الدفاع عن الفلسطيني عبر خطاب مباشر، بل إلى تقديمه إنسانًا أولًا، بما يحمله من كرم وتسامح وأحلام وتناقضات.

وفي نهاية الرواية، لا يرى سلامة تضحية "ألينا" بوصفها مشهدًا صادمًا، بل لحظة تكشف تحول الشخصية.

فعندما تختار إنقاذ من كانت تعتبرهم أعداء، تنتقل من وعي إلى آخر، وتتجاوز الصور التي صنعتها الحرب والتاريخ، وبذلك لا تصبح النهاية انتصارًا للحب على الحرب أو للحرب على الحب، بل انتصارًا لقدرة الإنسان على أن يظل إنسانًا في أكثر الظروف قسوة.

ويؤكد الكاتب أن الرواية لا تسعى إلى الدفاع عن الفلسطيني عبر خطاب مباشر، بل إلى تقديمه إنسانًا أولًا، بما يحمله من كرم وتسامح وأحلام وتناقضات، فالقارئ برأيه، يصدق ما تفعله الشخصيات أكثر مما تصرح به الكلمات، ولذلك كان رهانه على الفعل الدرامي لا على الشعارات.

إذا كانت "الأسيرة" تبحث في العلاقة مع الآخر وسط الصراع، فإن "ملف مُصنَّف سري" يتجه أكثر إلى الداخل.. إلى الوعي والذاكرة وما تفعله الحرب بالنفس والإدراك.

ويلتقي العملان في جوهرهما عند الإنسان الفلسطيني والذاكرة والهوية، لكن كل رواية تنظر إلى القضية من زاوية مختلفة. فإذا كانت "الأسيرة" تبحث في العلاقة مع الآخر وسط الصراع، فإن "ملف مُصنَّف سري" يتجه أكثر إلى الداخل.. إلى الوعي والذاكرة وما تفعله الحرب بالنفس والإدراك.

بعد الروايتين، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "حوار بين قذيفتين" تضم 134 قصة قصيرة كتبت معظمها في قلب الحرب، وتلتقط تفاصيل لا تحفظها الكاميرات ولا نشرات الأخبار: وجع الأمهات، ودهشة الأطفال، وصمت البيوت، وأحلام الناجين.

وفي المرحلة المقبلة، يتطلع سلامة إلى التعمق أكثر في الأثر النفسي والاجتماعي للحرب، وكيف تتشكل الذاكرة الفردية والجماعية في ظلها، فما يشغله ليس فقط أن يروي ما حدث، بل أن يكتب ما تركه الحدث في الإنسان، مؤمنًا بأن الأدب الحقيقي لا يحفظ الوقائع وحدها، بل يحفظ الأرواح أيضًا.

الأدب، كما يرى سلامة، قد لا يغير الواقع مباشرة، لكنه يغير طريقة النظر إليه.. والحكاية الصادقة قادرة على هزيمة النسيان؛ لأن الشعب الذي يواصل كتابة حكايته، هو شعب لا يموت كما يصف.

كاريكاتـــــير