شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 01 يونيو 2026م20:27 بتوقيت القدس

في اقتصاد الحرب: البيوت المهدّمة مناجم للفقراء

01 يونيو 2026 - 13:53

قطاع غزة:

"هذه بقايا بيوتنا وأملاكنا وذكرياتنا وشقى العمر".. بهذه الكلمات المثقلة بالحسرة، يلخص رائد وادي واقعًا بات مألوفًا في قطاع غزة، حيث تحولت المنازل المدمرة إلى مصدر رزق أخير لأصحابها، وبات الركام الذي خلّفته الحرب يُنبش بحثًا عن أسياخ الحديد القابلة للبيع أو إعادة الاستخدام، فما القصّة؟

وسط الغبار المتصاعد وكُتل الإسمنت والحجارة المتناثرة، يُنقّب غسان العلمي (36 عامًا) عن قضبان الحديد المغروسة في ركام منزل قصفته طائرات الاحتلال في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة.

يعتلي الرجل كومة من الأنقاض، وينهمك بملابسه البالية وحذائه المهترئ في تفتيت كتلة خرسانية كبيرة بمطرقة حديدية ثقيلة، محاولًا استخراج ما بداخلها من أسياخ الحديد، فيما يقول لـ"نوى": "لم أتخيل يومًا أن أعمل في هذه الصنعة، لكن الحرب أغلقت كل الأبواب في وجهي، ولا خيارات أمامي سوى هذا العمل".

العلمي: هذا العمل خطير جدًا ويسير بدون معدات سلامة، قد تسقط علينا هذه الكتل بسبب الاهتزاز.

قبل حرب الإبادة، كان العلمي يعمل في قطاع المقاولات والبناء، لكن توقف المشاريع وانهيار سوق العمل دفعاه إلى البحث عن أي وسيلة لتأمين احتياجات أسرته، ويضيف: "أعمل منذ الصباح الباكر حتى أبتعد عن أشعة الشمس اللاهبة قدر المستطاع، لأن الجو خلال هذه الأيام لا يُطاق".

طوال أشهر الحرب، تنقل بين مهن عديدة فرضتها الظروف القاسية، قبل أن يدخل في موجة من الركود وانعدام فرص العمل، حتى وجد أخيرًا مصدرًا محدودًا للدخل بين الأنقاض، فبدأ مع أبنائه الثلاثة في استخراج أسياخ الحديد وبيعها للتجار أو للنازحين الذين يستخدمونها في إقامة الخيام والمآوي المؤقتة.

يشير العلمي بيديه إلى كتلة إسمنتية معلقة فوق الركام ويشرح: "هذا العمل خطير جدًا ويسير بدون معدات سلامة، قد تسقط علينا هذه الكتل بسبب الاهتزاز، ناهيك عن الحر الشديد والغبار الذي يملأ المكان"، إلا أنه لا يملك سوى أدوات بدائية للحفر ومطرقة حديدية ثقيلة يعتمد عليها في عمله الشاق.

أما عن العائد المادي، فيؤكد أنه لا يتجاوز 60 شيكلًا يوميًا رغم ساعات العمل الطويلة والخطر والجهد الكبير المبذول، ويستدرك قائلًا: "لكن أي شي أحسن من ولا شي في هذه الظروف الصعبة".

وبالعودة إلى رائد وادي الذي يبلغ من العمر (54 عامًا)، يجلس فوق أنقاض منزله المكوّن من ثلاثة طوابق، والذي تحول إلى ركام جراء حرب الإبادة الإسرائيلية.

ورغم الحزن الذي يرافقه، اضطر الرجل إلى الاتفاق مع فريق من العمال لاستخراج الحديد من بين الأنقاض وبيعه، أملاً في توفير بعض المال لتدبير شؤون حياته ومواجهة المصاريف المتزايدة في ظل الغلاء الفاحش للأسعار.

يقول لـ"نوى" بينما يتأمل ما تبقى من منزله: "هذه بقايا بيوتنا وأملاكنا وذكرياتنا وشقاء العمر، ونحاول أن نستفيد مما تبقى منها بعد أن سُرق بعضه وتدمر البقية نتيجة القصف الإسرائيلي".

يلازم وادي العمال خلال عملهم، ويشير إليهم إلى أماكن الأعمدة الخرسانية والأسقف المنهارة، محذرًا إياهم من الاقتراب من الزوايا الخطرة التي قد تتسبب بإصابات أو انهيارات مفاجئة، وفي منتصف يوم العمل الشاق، يجمع بعض الأخشاب المتناثرة بين الركام ليُعد إبريقًا من الشاي.

يتحدث: "هذا العمل مجهد جدًا وليس باستطاعتي القيام به، ولا حتى دفع أجرة العمال، ولذلك اتفقت معهم على أن يأخذوا الحديد ويبيعوه ثم نتقاسم المال سويًا".

ومع اتساع ظاهرة استخراج أسياخ الحديد، نشأت في قطاع غزة سوق جديدة تضم عمالًا وتجارًا ووسطاء يتولون جمع هذه الأسياخ وبيعها للنازحين بأسعار متفاوتة، تُحدد بحسب الوزن والحالة ومدى استقامة القضبان وقابليتها لإعادة الاستخدام.

ومع الارتفاع الكبير في أسعار الأخشاب، وجد كثير من النازحين في القضبان الحديدية المستخرجة من الركام بديلًا مناسبًا لصناعة هياكل معدنية تُثبت فوقها أقمشة الخيام أو الأغطية البلاستيكية، وفي كثير من الحالات، تُعدّل هذه القضبان يدويًا لتلائم هذا الغرض.

تشير تقديرات حديثة صادرة عن بلدية غزة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن حجم الركام الناتج عن الحرب بلغ نحو 70 مليون طن.

ورغم الجهود المحدودة التي تبذلها بعض المؤسسات المحلية والدولية لإزالة الركام أو إعادة تدويره، فإن الحجم الهائل للأنقاض يجعل من عملية إزالتها مهمة معقدة وطويلة الأمد، في ظل غياب حلول واضحة وشاملة لإزالة الركام والشروع في إعادة الإعمار.

وتشير تقديرات حديثة صادرة عن بلدية غزة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن حجم الركام الناتج عن الحرب بلغ نحو 70 مليون طن، وهو رقم يعكس كارثة غير مسبوقة مقارنة بالنزاعات والحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية.

ولا يقتصر أثر تأخر إزالة الركام على تشويه المشهد العمراني في القطاع المحاصر، بل يمتد ليشكّل خطرًا مباشرًا على حياة السكان صحيًا واجتماعيًا، إذ يعرقل عودة الحياة الطبيعية ويؤخر استعادة الخدمات الأساسية.

لكن هذا الواقع القاسي يطيل عمر مهنةٍ وُلدت من رحم الحرب، فتبقى الأنقاض مفتوحةً أمام آلاف العمال الباحثين عن لقمة العيش. وبينما تتراكم الوعود بإزالة الركام وإعادة الإعمار، يواصل الغزيون نبش ما تبقى من بيوتهم، مستخرجين من الخراب ما يعينهم على يومٍ آخر من البقاء.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير