شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 26 يوليو 2026م19:38 بتوقيت القدس

ضربته مجندة بعقب البندقية فأعدمت بصره..

ساعتان بين نور العين وانطفاءتها.. هذه قصة الطفل محمد

26 يوليو 2026 - 17:39
الطفل محمد الجرجاوي (10 سنوات)
الطفل محمد الجرجاوي (10 سنوات)

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن الجُرح الذي شقَّته مجنّدةٌ إسرائيلية في جبين محمد هو الأعمق. عينه أطفأ نورها ذاته كعب البندقية، وتفاصيل الساعتين اللتين فُصل خلالهما عن والده على أحد الحواجز العسكرية شمالي قطاع غزة، ستلاحقانه ما بقيَ حيًا.

محمد الجرجاوي طفلٌ في العاشرة من عمره، لكن ذلك لم يشفع له عندما وقف وحيدًا أمام مجندةٍ، انتهى تحقيقها معه بضربةٍ على جبينه غيّرت حياته إلى الأبد.

في ديسمبر/كانون الأول 2024م، اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى الإندونيسي شمالي قطاع غزة، بعدما تحوّل إلى ملاذٍ لآلاف النازحين، الذين لم يكن أمامهم سوى الخروج تحت تهديد السلاح، تاركين وراءهم كل ما تبقى من شعورٍ بالأمان.

محمد الجرجاوي طفلٌ في العاشرة من عمره، لكن ذلك لم يشفع له عندما وقف وحيدًا أمام مجندةٍ، انتهى تحقيقها معه بضربةٍ على جبينه غيّرت حياته إلى الأبد.

في الخارج، كانت الدبابات تطبق حصارها، والجنود ينتشرون في كل اتجاه. يسير النازحون في طوابير طويلة، برؤوسٍ منحنية وخطواتٍ متثاقلة، كأنهم يعرفون أن النجاة لا تحتاج إلى الركض، بل إلى ألّا يلفتوا انتباه أحد بأي حركةٍ عفوية.

وسط ذلك المشهد، أمسك والد محمد بأيدي أطفاله، يحاول أن يعبر بهم الحاجز العسكري عند دوار المستشفى، وهمه الوحيد أن يصل بهم جميعًا إلى الجهة الأخرى، لكن صوتًا حادًا أوقفه: "أنت.. اللي لابس البلوزة الزرقاء.. اترك الولد".

التفت الأب نحو المجندة الإسرائيلية، ثم إلى طفله. لم يناقش، ولم يسأل.. في تلك اللحظة، كان الاعتراض مخاطرة لا يعرف ثمنها أحد.

يقول والد محمد لـ"نوى": "طلبت مني أن أتركه وأكمل طريقي، وأغلب ظني أنه سيتبعنا بعد دقائق. لم أتخيل أبدًا أن تحتجز طفلًا عمره 10 سنوات".

اختفى محمد خلف الحاجز. ساعتان كاملتان قضاهما الطفل في التحقيق، وسط أسئلة تتلاحق عن أسماء وأماكن وأشياء لا يعرف عنها شيئًا. طفلٌ يحاول أن يفهم لماذا يُعامل كما لو أنه متهم، بينما كل ما كان يريده هو أن يبقى ممسكًا بيد والده.

يقول الطفل هامسًا: "لما خلصت، ضربتني بكعب سلاحها على جبيني".

اختفى محمد خلف الحاجز. ساعتان كاملتان قضاهما الطفل في التحقيق، وسط أسئلة تتلاحق عن أسماء وأماكن وأشياء لا يعرف عنها شيئًا.

لم تكن الضربة عابرة، فسال الدم على وجهه، فيما انهالت عليه المجندة بالشتائم، قبل أن تأمر النازحين بحمله معهم ومواصلة السير.

في الجهة الأخرى، كان الأب ينتظر، بينما اجتاز النازحون ثلاثة حواجز عسكرية؛ من دوار المستشفى الإندونيسي إلى دوار أبو حمودة، ثم حاجز الإدارة المدنية.

جلس الأب على الرصيف، يراقب الوجوه، ويفتش بينها عن ابنه، وكل دقيقة تمر كانت تثقل قلبه أكثر، حتى لمح محمد، لكنه لم يرَ فيه الطفل الذي تركه قبل ساعات.. رآه غارقًا بدمه. يعقب: "حضنته وأنا ببكي، وحمدت ربنا إنه رجعلي حي".

بهذه الكلمات يستعيد الأب تلك اللحظة، قبل أن يحمل ابنه سيرًا على الأقدام إلى المستشفى المعمداني، الذي كان يعمل آنذاك بأقل الإمكانات.

هناك، لم يكن لدى الأطباء ما يقدمونه. أخبروه أن محمد يحتاج إلى مستشفى عيون، لكن مستشفيات القطاع كانت قد خرجت تباعًا عن الخدمة تحت القصف.

لم يجد الأب سوى طبيبًا خاصًا أخاط جرح الجبين، بينما بقيت العين تنتظر فحصًا لم يأتِ.

مرّت عدة أيام، وبدأ لون العين يتغير، احمرّت، ثم صار محمد يشكو من ضبابٍ يحجب الرؤية، ويصطدم بالأشياء الواقعة إلى يمينه.

بعد أسبوع، عرف الأب الحقيقة التي حاول أن يؤجل تصديقها بكل ما يملك من أمل "لقد فقد محمد عينه اليمنى".

لم تعد الضربة بالنسبة لمحمد مجرد ذكرى، فكلما لمس الندبة في جبينه، عادت إليه صورة ذلك الحاجز، وصوت المجندة، وساعتا الانتظار، والدم الذي غطى وجهه.

بعد تلك اللحظة، بدأت رحلة التنقل بين مستشفيات القطاع، واستشارة كافة الأطباء الذين استطاع الوصول إليهم: "كلهم قالوا فقد عينه، وكان من الممكن أن تُنقذ لو تمكنا من السفر إلى ألمانيا".

يصمت قليلًا، ثم يبتسم ابتسامةً مُثقلةً بالعجز، ويكمل: "بس وقتها.. إحنا أصلًا ما كنا قادرين نوصل جنوب غزة".

أما محمد، فلم تعد الضربة بالنسبة له مجرد ذكرى، فكلما لمس الندبة في جبينه، عادت إليه صورة ذلك الحاجز، وصوت المجندة، وساعتا الانتظار، والدم الذي غطى وجهه.

كبر الطفل، لكن السؤال بقي في مكانه، لا يكبر ولا يشيخ: "شو ذنبي؟ شو ذنبي يحرموني من عيني؟"، بينما لا هو يملك إجابةً ولا والده الذي يقطر صوته قهرًا.

كاريكاتـــــير