غزة- شبكة نوى :
في زاويةٍ هادئة بقسم العناية المكثفة بمستشفى الحلو بمدينة غزة، يرقد مجموعة من الأطفال الخدّج داخل حضانات شفافة، كأنها عوالم صغيرة تحميهم من قسوة البدايات، أجسادهم الهشّة لم تكتمل، وأنفاسهم الدقيقة تعتمد على أجهزة الأكسجين التي تحيط بهم كحبال النجاة، تصدر أصواتًا خافتة تشبه همسات الحياة الأولى.
ينحني الأطباء والممرضون فوق رؤوس المواليد الخدّج (ولدوا قبل الأسبوع 37 من الحمل قبل تمام نضوج أعضائهم) يقظين لكل نبضة وكل تغيّر، يحملون مسؤولية منح الصغار فرصة التمسك بحياةٍ تزداد المخاوف من انتهائها قبل أن تبدأ، إذ يواجهون اليوم تهديدًا جديدًا مع تصاعد التحذيرات من توقّف محطة الأكسجين الوحيدة العاملة في قطاع غزة، حيث تتحول الأجهزة المحيطة بهم من أدوات إنقاذ إلى مؤشرات قلق، تُراقب كل نفسٍ، وكأنها معركة بحد ذاتها.
الرضيع آدم شملخ لم يكمل شهره الثالث بعد، يواجه معركةً تفوق عمره الصغير، إذ يُعاني من نقص حاد في الأكسجين داخل جسده الهش، وكأن أنفاسه الغضّة تبحث عن فرصة للبقاء والاستمرار.
تقول والدة الطفل لـ"نوى": "عند ولادته كانت حالته الصحية مستقرة، لكنّ بعد مرور أسبوعٍ بدأ وضعه الصحي يتدهور، وأصبح يُعاني من نقص في الأكسجين، إضافةً إلى حساسية تجاه الفنتولين". (دواء موسع للشعب الهوائية).

ورغم أن آدم لا يُدرك بعد معنى الوجع، إلا أن جسده الصغير يترجم معاناته بصمتٍ مؤلم، فيما تعيش عائلته بين الخوف والرجاء، متمسكة بأي بارقة أمل تُعيد انتظام أنفاسه وتمنحه حياة آمنة".
وتُضيف والدته: "تنقلت بين أروقة المستشفى، ومكثنا أيامًا طويلة في قسم العناية المركزة تحت أجهزة التنفس الصناعي، دون تحسن واضح"، مناشدةً الجهات المختصة العمل على توفير تبخيرة الأدرينالين، التي تُستخدم كحل إسعافي سريع لتوسيع القصبات الهوائية والتخفيف من التورم الحاد في مجرى الهواء العلوي.
كما حال آدم، يواجه الرضيع محمد منذ ولادته التهابات حادة في الصدر، وحساسية مفرطة، إلى جانب صعوبة في التنفس أثناء الرضاعة.
تنظر والدته إلى جسده الضئيل داخل الصندوق الشفاف وهي تروي رحلته المؤلمة: “كنت أتنقل بين أروقة العناية المركزة في قسم الحضانة بمستشفى الحلو، بعدما تدهورت حالته وأصبح الأكسجين ضرورة لا غنى عنها لبقائه حيًا".
وتبدي والدتا الطفلين آدم ومحمد خوفًا شديدًا عقب تحذيرات وزارة الصحة بشأن احتمالية توقف محطة الأكسجين الوحيدة في القطاع، مطالبةً الجهات المختصة بالإسراع في إدخال السولار والمعدات اللازمة لتشغيل المحطة على مدار الساعة، خشيةً على حياة أطفالهن وغيرهم من المرضى.

من جهته، يحذّر د.زياد المصري، استشاري طب الأطفال والحضانة في وزارة الصحة من أن أي توقّف لمحطات الأكسجين يهدد حياة هؤلاء الأطفال، فالأكسجين يُعد عنصرًا أساسيًا لبقائهم على قيد الحياة، لا سيما الأطفال الخُدّج الذين تتراوح أعمارهم بين الأسبوع الـ28 وحتى اكتمال فترة الحمل.
ويوضح الدكتور زياد، في حديثه لـ"نوى"، أن معظم الأطفال الموجودين في قسم الحضانة بمستشفى الحلو يحتاجون إلى أجهزة تنفس صناعيّ، ما يجعل الأكسجين من الاحتياجات الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عنها، نظرًا لعدم قدرة خلايا الجسم على البقاء دون توفره.
ويُشير إلى أن الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية انعكست بشكل مباشر على القطاع الصحي، وأثرت بشدة في توفير المستلزمات الطبية والأكسجين للأطفال، لافتًا إلى أن مستشفى الشفاء كان يضم قبل الحرب عدة أقسام مُتخصصة للحضانات، إلى جانب شبكة أكسجين مركزية ومحطات لإنتاج الأكسجين داخل المستشفى، إلا أن الدمار الذي خلّفته الحرب، أدى إلى فقدان هذه الإمكانيات.
ويُضيف أن قسم الحضانات يعتمد حاليًا على سيارات متنقلة لتزويد المستشفى بالأكسجين بشكل مستمر، محذرًا من أن أي توقف في هذه الإمدادات قد يُعرّض حياة الأطفال للخطر، داعيًا الجهات المعنية إلى توفير مضخات أكسجين ثابتة بدلًا من الاعتماد على الأسطوانات المتنقلة.
كما يُناشد المؤسسات الدولية التدخل لإعادة الإمكانات الطبية إلى ما كانت عليه قبل الحرب، بما يشمل إعادة تشغيل محطات الأكسجين وقسم الحضانة في مستشفى الشفاء، الذي كان يستقبل الحالات الحرجة والمُعقدة من مختلف مناطق قطاع غزة.
ويُؤكد أن جميع الحالات الموجودة داخل مستشفى الحلو تحتاج إلى الأكسجين بشكل دائم أو متقطع، مشيرًا إلى أن الطواقم الطبية تحاول تدريجيًا فطام الأطفال عن أجهزة التنفس حتى يتمكن ذويهم من استلامهم بصحة مستقرة.
ويوضح أن الحضانات في قطاع غزة تستقبل بشكل أساسي الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 30 إلى 34 أسبوعًا، الأمر الذي يجعل مستشفى الحلو بمثابة شريان رئيسي لإنقاذ حياة الأطفال الخُدّج من ذوي الأعمار المبكرة جدًا.
وبيّن أن المستشفى يستقبل يوميًا ما بين 10 إلى 14 طفلًا، وقد استقبل خلال العام الماضي نحو 4000 طفل خُدّج أو حديث ولادة، وهي نسبة مرتفعة مُقارنة بعدد السكان في قطاع غزة.
وعن أسباب ارتفاع أعداد الأطفال الخُدّج وحديثي الولادة الذين يحتاجون إلى الحضانة، أوضح أن ذلك يعود إلى الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب، بما في ذلك الضغوط النفسية والمعيشية التي تُعاني منها الأمهات، وسوء التغذية، وانتشار الأمراض والعدوى، ما يزيد من احتمالية الولادة المبكرة.
























