قطاع غزة:
في ذاكرة الشاب مازن الشوا (24 عامًا)، ما تزال صور الأنابيب الزجاجية وأزيز أجهزة التحليل الطيفي في معامل قسم الكيمياء بالجامعة الإسلامية تضج بالحياة، هناك قضى عامين من عمره، متنقلاً بشغفٍ بين تجربةٍ وأخرى، يراقب تفاعلات المواد التي كانت ترسم ملامح مستقبله، قبل أن تمرّ عليها حرب الإبادة الإسرائيلية.
لم يترك الاحتلال للذكريات جدرانًا تحتضنها، وحوّل المختبرات التي كانت بمثابة "محرابٍ علمي" أثرًا بعد عين، تاركًا خلفها ركامًا يغطي أحلام جيلٍ كامل.
يخطو مازن اليوم في سنته الرابعة والأخيرة، لكن الخطوات تبدو ثقيلةً على قلبه بشكلٍ لم يعهده من قبل، فالعودة لمواصلة المشوار التعليمي فوق أنقاض المختبرات المدمّرة خلقت فجوةً موحشةً في وجدانه.
اصطدم الشاب بمرارة الفرق بين دراسةٍ يلامس فيها الأدوات ويطوع بها النتائج، وبين دراسةٍ "صمّاء" تجري في قاعاتٍ تفتقر لأبسط مقومات التخصص، أو خلف شاشات الحاسوب الباردة التي تحول الكيمياء من علمٍ حيّ إلى مجرد نصوصٍ جامدة.
الحسرة هنا لا تقف عند حدود الجدران المسحوقة أو الأجهزة النادرة التي اغتالتها آلة الحرب، بل تمتد لتطال "منظومة البحث العلمي" التي تعرضت لإبادةٍ ممنهجة
بنبرةٍ تحكي قصة فقدان "البيت الثاني"، يروي الشوا لـ"نوى" كيف انطفأ بريق الشغف في عينيه، معبرًا عن خيبة أملٍ عميقة من حصر العلم بين دفتي كتاب، ويقول بمرارة: "لا يمكن أن تقتصر دراستنا على الورق فقط، نحن نحتاج لملامسة الأدوات وتطوير مهاراتنا اليدوية، لأن المعرفة الحقيقية تولد من رحم التجربة، وما ندرسه اليوم يبدو مبتورًا ومنزوع الروح".
هذه الغصة التي تسكن حنجرته ليست حالاً فرديًا، بل هي مرآةٌ لواقع آلاف الطلبة في قطاع غزة، خاصةً في الكليات العلمية والتطبيقية التي وجدت نفسها فجأةً في مواجهةٍ مباشرة مع "النظرية الجافة".
والحسرة هنا لا تقف عند حدود الجدران المسحوقة أو الأجهزة النادرة التي اغتالتها آلة الحرب، بل تمتد لتطال "منظومة البحث العلمي" التي تعرضت لإبادةٍ ممنهجة استهدفت عقول الباحثين ومختبراتهم على حدٍ سواء.
يعيش مازن قلقًا دائمًا من أن يتبخر حلمه في إنجاز مشروع تخرجه، وهو الهاجس الذي يطارد زملاءه في الدراسات العليا الذين ضاعت سنوات جهدهم وتجاربهم الطويلة تحت الركام، ويمتد هذا التخوف إلى المستقبل المهني؛ إذ يخشى الشوا أن يتخرج جيلٌ "نظري" يفتقر للخبرة التقنية، مما يضعف قدرته على المنافسة في سوق العمل أو انتزاع المنح الدولية التي تشترط مهارةً مخبريةً لا توفرها الشاشات.
على الرصيف ذاته من المعاناة، يقف علاء السلوت (21 عامًا)، طالب السنة الثالثة في كلية الطب بجامعة الأزهر، محاولاً لملمة ما تبقى من شغفه وسط غياب مختبرات التشريح وعلم الأمراض والأنسجة.
يحكي السلوت لـ"نوى" عن محاولاته اليائسة للاستعاضة عن "المشرط" و"المجهر" بمشاهدة برامج المحاكاة ومقاطع الفيديو، ورغم إبحاره في الصور التوضيحية التي تقارن بين العضو السليم والمصاب، إلا أن يقينه يزداد بأن "الشاشة" لن تغني أبدًا عن ملمس الحقيقة في المعامل الحية.
يبدي الشاب امتعاضًا من هذا "التعليم الاضطراري"، لكنه يرفض في الوقت ذاته فكرة أن يخرج هذا الواقع طبيبًا فاشلاً، بل يراه طريقًا مليئًا بالعراقيل الجمّة التي تستنزف طاقة الطالب وطموحه.
وفي هذا السياق، يصف عميد كلية العلوم بالجامعة الإسلامية، رامي مرجان، وقع فقدان المختبرات بـ"المرير"، مؤكدًا أن عقول الطلبة باتت "عطشى" لمجرد لمس أنبوب اختبارٍ أو النظر عبر مجهر، محملًا الاحتلال مسؤولية تدمير هذه المنظومة ومنع إدخال أي بدائلَ تعيد النبض لهذا الحقل العلمي.
النهوض من وسط هذا الخراب يشبه "التقاط إبرةٍ في كومة قش"، في ظل إصرار الاحتلال على تحجيم العقل الفلسطيني بالتوازي مع هدم البنيان
يقرّ مرجان لـ"نوى" بأن النهوض من وسط هذا الخراب يشبه "التقاط إبرةٍ في كومة قش"، في ظل إصرار الاحتلال على تحجيم العقل الفلسطيني بالتوازي مع هدم البنيان.
ورغم ذلك، لا يتوقف الأساتذة عن محاولة اجتراح المعجزات عبر المختبرات الافتراضية ومحاولة إحياء ما دُفن تحت الأأنقاض، أملاً في إنقاذ جيلٍ من الانهيار الأكاديمي، قبل أن تتحول سنوات الحرب إلى سارقٍ أبدي لأحلامٍ كانت بالأمس القريب قاب قوسين أو أدنى من التحقق.
كما يؤكد مرجان أن القسم يواصل محاولاته لإعادة إحياء بعض الأجهزة وتشغيلها في الفترة القادمة، فضلاً عن تحشيد الجهود مع منظماتٍ أكاديميةٍ عربية ودولية للسماح بإدخال أجهزةٍ جديدة واستعادة المختبرات أو إيجاد حلولٍ إبداعية للتعليم العملي.
ويعرب في ختام حديثه عن أمله في أن تؤدي هذه الجهود إلى تسريع نبض العملية التعليمية، وتوفير بيئةٍ حاضنةٍ قادرةٍ على تحفيز الطلبة واستعادة حقهم الطبيعي في تعلمٍ يليق بطموحاتهم.

























