شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 11 مايو 2026م18:21 بتوقيت القدس

أشقاء جمعتهم ثلاجات الاحتجاز ... شهداء بلا قبور ولا وداع

11 مايو 2026 - 15:16

جنين- ابتهال منصور:

كيف لقلب الأم أن يهدأ وقطعتين منه في مكانٍ بعيد، بارد موحش، في ثلاجة أو قبر يحمل رقمًا، قلب يتسلل إليه الشك بغتة فيدميه، ويهاجم يقينه المتذبذب بأن نجليها فعلًا باتوا في عداد الشهداء.

خليل وعدي أبو ناعسة من مخيم جنين شمال الضفة، جمعهما حضن أمهما صغارًا وكان لهما محور السعادة والأمان حتى كبرا وشبا، فكانت الشهادة برصاص الاحتلال بانتظارهما وكان لا بد لترب جنين أن يضمهما، لكن الاحتلال أراد لهذه الحكاية منحى آخر، فاجتمع الأشقاء فعلًا لكن في ثلاجاته عقب احتجاز جثمانيهما.

بثت والدة الشهيدين خليل وعدي لنوى مشاعر ومخاوف كثيرة، بدأت باستشهاد أبنائها في حدثين منفصلين أولهم خليل "21 عامًا" الذي استشهد يوم 6 أغسطس 2023، في عملية اغتيال لعددٍ من الشبان نفذتها قوة إسرائيلية خاصة، تلاه بعام عدي "27 عامًا" الذي استشهد عقب إطلاق الاحتلال النار على مركبة كان يستقلها مع شاب آخر شمال سلفيت.

وروت والدة الشهيدين كيف أن فقدان الأبناء المفاجئ والحرمان من وداعهم يجعلها تعيش صدمة مستمرة، وهي التي لم تحظ بعناق وداع لهما ولا حتى نظرة عابرة، تقول :"كل ما رأيته صورة لخليل شهيدًا قبل احتجاز الاحتلال لجثمانه، فيما لم أشاهد عدي عقب الإعلان عن استشهاده حتى في الصورة".

تحدّث أم عدي نفسها طويلًا فيما إذا كانت الأنباء التي بلغت العائلة عن استشهاد عدي حقيقة فعلًا، هذه المشاعر فرضتها عليها إجراءات الاحتلال التي تحرم العائلات من أي معلومات واضحة حول مصير أبنائهم، إلى جانب منعهم من وداع جثامينهم ودفنها، ما تركتها حبيسة هذه الأفكار.

يتسلل برد ثلاجات الاحتلال إلى حديث أم الشهيدين عدي وخليل أبو ناعسة فتهدأ بألم، وفجأة تحس بنار فؤادها المشتعل فتغدو كلماتها حارقة موجعة، "إكرام الميت دفنه" تقول وتردف: “حنا ما بنطالب بالمستحيل، أنا بحاجة لرؤية جثامين أبنائي ودفنهم حتى يهدأ قلبي وأتأكد من استشهاد عدي".

تحوّل حلم العائلات من عناق دافئ لأبنائهم، لرغبة حقيقية في دفن جثامينهم المحتجزة والتأكد من استشهادهم، وتقول أم عدي: "أسأل نفسي دائمًا، هل سأعرفهم بعد سنوات من الاحتجاز بالثلاجات، كيف تغيرت ملامحهم؟، وتطرح السؤال الأصعب، هل سرق الاحتلال أعضائهم وشوّه جثامينهم؟".

وترى والدة الشهداء أن المجتمع والجهات الرسمية لا يضغطون بشكل كاف لاستعادة الجثامين، مما يترك العائلات في حالة نزيف مستمر من الألم، تضاعف لديها كعائلة هدم منزلها واجبرت على النزوح عنه في مخيم جنين قبل عام ونصف".

قبل خمسة أعوام بدأت كذلك حكاية عائلة حماد من بلدة سلواد شمال شرق رام الله مع الفقد، حين وصل روحي حماد، نبأ استشهاد نجله محمد برصاص الاحتلال قرب البلدة، واحتجز الاحتلال جثمانه، ودأبت العائلة تشارك في حملات المطالبة باسترداد الجثامين المحتجزة.

تطالب العائلة وتناشد وتتابع قانونيًا، في سعي لم يثمر إلا بمعرفتهم أن ابنهم الشهيد محتجز في الثلاجات ولم ينقل لمقابر الأرقام، وتواصل عدوان الاحتلال وطالت الجريمة شقيقة عبد الحليم الذي استشهد إثر إطلاق الاحتلال النار عليه داخل منزل العائلة خلال اقتحامه في نيسان الماضي 2026م، وقاد جثمانه للاحتجاز ليصبح رفيق الثلاجات الإسرائيلية الى جانب شقيقه محمد.

يؤكد روحي حماد لنوى: "نحن ندرك أن الاحتلال يحاول كسر إرادتنا باحتجاز جثامين أبنائنا، لكننا شعب لا نكسر ولا يزيدنا ذلك إلا قوة وصلابة وتمسك بحقنا، وسواء تسلمنا أبنائنا ام لم نتسلمهم، لن نستسلم ولن نتوقف عن المطالبة بهم، وسنكمل مسيرتنا التي بدأناها يوم استشهاد محمد منذ سنوات، ونستمر بجهودنا عن طريق المؤسسات والفعاليات الشعبية لاسترداد الجثامين".

ويختم حماد:" الظروف اليوم أصبحت أصعب والاحتلال بات يعتم أكثر على هذه القضية ويمعن في استخدام سياسة احتجاز الجثامين بشكل أوسع، ولا يوجد دولة في العالم تحتجز جثامين الا الاحتلال الإسرائيلي، وانا لدي قناعة انه يخاف من هذا الشعب ويخاف من أبنائنا حتى وهم شهداء".

وفق منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، حسين شجاعية، فقد بلغ عدد حالات الأشقاء الشهداء المحتجزين لدى الاحتلال سبع حالات، أي 14 شهيدًا من الأشقاء، فيما بلغ العدد الإجمالي للمحتجزين من الجثامين نحو 788 جثمانًا، بينهم 10 شهيدات، و98 طفلًا، و79 طفلًا أعمارهم أقل من 18 عامًا.

ويلفت شجاعية إلى أن الاحتلال يبلغ عن حالات احتجاز الشهداء عبر الارتباط المدني الفلسطيني والارتباط العسكري والشؤون المدنية وعن طريقها يتم إبلاغ العائلات بشكل شفوي، وخاصة في السنوات الأخيرة دون معاينة العائلات للجثامين أو رؤيتهم صورها كما كان يجري في السابق.

وتابع شجاعية أن هناك هاجس لدى العائلات حول مصير أبنائهم وأن الاحتلال يسعى من خلال هذه السياسة الى تعذيب العائلات الفلسطينية ومحاولة فرض واقع أليم وصعب عليها ويعزز ذلك المعلومات المغلوطة التي ادلى بها الاحتلال في بعض الحالات".

تعمل الحملة على تفعيل القضية إعلاميًا، ومراسلة المؤسسات الدولية والسفارات القانونية، للضغط للإفراج عن الجثامين، لكن العامين الماضيين شكلا نقلة إضافة في عدم التجاوب من الاحتلال مع هذه القضايا والالتماسات المقدمة ضد سياسة الاحتجاز.

حين يصبح دفن أبنائهم الشهداء على مقربة منهم في تراب بلداتهم وقراهم أسمى ما تتمنى وتتأمل هذه العائلات، ندرك أن الجرح بلغ مداه، فكيف بجرحين وشقيقين وروحين، يحرم الاحتلال أجسادهما من فرصة الوداع الأخير لأحبابهم قبل الالتقاء في قبر واحد.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير