قطاع غزة:
تجلس خولة (15 عامًا) بجانب نافذتها المكسورة، ترقب طريقًا لم تعد قادرة على سلكه بينما يدور في مخيلتها لحظة القصف التي طالت منزلها، بعد وقت قصير من نزوحها مع عائلتها التي عجزت عن إنقاذ كرسيها المتحرّك نتيجة الأحزمة النارية المكثفة، حيث بقي عالقًا تحت الأنقاض.
في قطاع غزة، يعيش الأشخاص ذوي الإعاقة معاناة مزدوجة نتيجة الظروف المأساوية الناجمة عن حرب الإبادة المستمرة، إذ لم تكتف بتدمير منازلهم، بل أيضًا تدمير ممتلكاتهم التي تساعدهم على الحركة، وتدمير العيادات والمستشفيات وحتى الطرق التي كانت ممهدة أمامهم للمرور بسلام.
تقول خولة إن المسافة بين القصف والنزوح لم تكن كافية لحمل الكرسي، ومنذ تلك اللحظة تشعر أنها فقدت جزءًا من جسدها، مضيفة: "الحرب لم تسرق منزلنا فقط، بل سرقت حريتي وحلمي بإكمال دراستي الثانوية، وأصبحتُ رهينة مساعدة الآخرين".
تشير التقديرات إلى أن الحرب خلفت أكثر من 21 ألف طفل يعانون من إعاقات دائمة، فيما أصيب نحو 11 ألف طفل بجروح مغيرّة للحياة
قصة الفتاة هذه ليست سوى فصل في مأساة جماعية يعيشها ذوو الإعاقة في قطاع غزة، حيث تحولت الطرقات إلى حفر والمباني إلى ركام، واستحالت الإعاقة من حالة صحية إلى أزمة إنسانية تقيد الجسد وتغلق الآفاق، إلا أن الواقع الشخصي الأليم هذا يأتي ضمن سياق إحصائي كارثي.
فوفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني واللجنة الأممية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (حتى مايو 2026)، تشير التقديرات إلى أن الحرب خلفت أكثر من 21 ألف طفل يعانون من إعاقات دائمة، فيما أصيب نحو 11 ألف طفل بجروح مغيرّة للحياة تحتاج إلى تأهيل طويل الأمد غير متوفر حاليًا.
وتؤكد التقارير أن نحو 58 ألف شخص من ذوي الإعاقة في غزة يواجهون انتهاكات جسيمة، حيث سقطت احتياجاتهم من "الأجهزة التعويضية" كالكراسي المتحركة والعكازات من قوائم الأولويات الإغاثية في ظل الانهيار الشامل للمنظومة الصحية.
المعاناة ليس أن تفقد شيء ثمين بالنسبة لك بشكل مفاجئ، وإنما تمتد لتطال من استهلكت الحرب أدواتهم البسيطة، هذا ما قاله والد الطفل أسعد (14 عامًا)، الذي ولد بإعاقة حركية.
يواجه الطفل عزلة قاسية في خانيونس بعدما تعطل كرسيه تمامًا نتيجة الاستخدام الشاق في بيئة غير مهيأة، يتحدث: "كان الكرسي هو مدرستي وأصدقائي، اليوم أنا محبوس داخل المنزل"، فيما يضيف أبيه بحزن: "لقد أصبح أسعد أكثر صمتًا وانطواءً؛ كأن الحرب سلبته أغلى ما يملك، وهو استقلاليته".
وحتى أولئك الذين احتفظوا بكراسيهم، يواجهون عدوًا آخر وهو "البنية التحتية المحطمة"، يخبرنا محمود الذي يتملك كرسيًا، بأنه يجد نفسه محاصرًا داخل حدود بقايا منزله.
ويوضح: "الكرسي موجود لكن الطريق مسدود، الركام والحفر التي خلفها الاحتلال تجعل حركتي مستحيلة وفي كل مرة أحاول فيها الخروج أتعرض للسقوط أو أعلق في حفرة، أشعر أنني محاصر في عالم ظالم".
نحو 58 ألف شخص من ذوي الإعاقة في غزة يواجهون انتهاكات جسيمة، حيث سقطت احتياجاتهم من "الأجهزة التعويضية"
هذا التوصيف يتطابق مع تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش التي أكدت أن الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة يواجهون "صعوبات هائلة" أثناء النزوح القسري، حيث تفتقر مراكز الإيواء أو ما وصفتها بـ"الملاجئ"، لأبسط معايير الوصول الأمن أو المراحيض الموائمة.
من جانبه، يؤكد الدكتور ناهض معمر، أخصائي العلاج الطبيعي، أن فقدان الكراسي المتحركة للأشخاص ذوي الإعاقة هو "هدم للكرامة الشخصية"، موضحًا أن الطرقات المدمرة ليست عوائق جغرافية فحسب، بل هي "مخاطر طبية" تسبب مضاعفات جسدية بالغة لكل من يحاول تجاوزها.
وتدعم الأخصائية النفسية شهد القدرة هذا الطرح، مشيرة إلى أن "الأثر النفسي الناتج عن الاعتماد الكامل على الآخرين يولد اكتئابًا حادًا وشعورًا بفقدان القيمة المجتمعية".
























