شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 21 ابريل 2026م09:08 بتوقيت القدس

مركز الأطراف بغزة.. حين تنبتُ الأرجل الخشبية في تُربة الصبر

21 ابريل 2026 - 19:52

قطاع غزة:

داخل تلك الغرفة الممتلئة برائحة "البلاستيك المقوى" وصوت المبارد اليدوية، يقف شادي البرعاوي (34 عاماً) متأملاً قطعةً ميكانيكية ستصبح قريبًا "ساقه" التي سُرقت منه بغتة.

قبل عامين، كان شادي يهرول في زحام السوق لقضاء شأنٍ يومي، قبل أن يقطع أزيز صاروخٍ إسرائيلي صمت المكان، ويترك في جسده شظية لم تكتفِ بتمزيق اللحم، بل بترت معها أحلام "حلاق" اعتاد الوقوف على قدميه لساعات طوال ليُجمّل ملامح الزبائن.

اليوم، في مركز الأطراف الصناعية بغزة، يبحث شادي عن وسيلة للمشي لتكون بمثابة استعادة لتوازن انكسر، وهُوية إنسانٍ يأبى أن تظل عكازاته هي العنوان.

وقصة شادي هي واحدة من مئات الحكايات التي تُكتشف يوميًا في "مركز الأطراف الصناعية والشلل" بمدينة غزة؛ هذا المكان الذي تحول من مرفق طبي إلى "مختبر للأمل"، فالرحلة هناك لا تبدأ بالمقاسات والمسامير، بل بترميم الروح أولًا.

يبحث شادي عن وسيلة للمشي لتكون بمثابة استعادة لتوازن انكسر، وهُوية إنسانٍ يأبى أن تظل عكازاته هي العنوان

يقول شادي لـ "نوى": "عندما وصلت المركز، كنت منهكاً ومثقلاً باليأس. لم يبدأوا بتركيب الطرف فوراً، بل بدأوا بتأهيلي نفسياً"، وهنا حاول الشاب تقبّل فقدان جزء من الجسد، وهي بالطبع تجربة قاسية لا يشعر بمرارتها إلا من عاشها.

لكنه وبعد مراحل من التدريب الجسدي الشاق، بات شادي يستند إلى طرفه الصناعي كجزء أصيل من كيانه، متمسكًا بحلمه في العودة إلى صالون الحلاقة الخاص به.

على الضفة الأخرى من الألم، يسرد مهند محمد أبو صخر حكايته مع الصمود؛ فبعد إصابة في ديسمبر 2023 أدت لبتر قدمه اليسرى فوق الركبة، ظل مهند أسيرًا للعكاز لعامين.

يتحدث مهند: "الحركة كانت جحيمًا، لكن بعد توجهي للمركز وتركيب الطرف، استعدتُ الشارع، واستعدتُ عجلة قيادة سيارتي، والأهم، استعدتُ كرامتي في الحركة".

من جانبه، يؤكد حسني مهنا، مدير مركز الأطراف الصناعية، أن العمل داخل المركز يسير وفق نهج شمولي، فالأمر يبدأ بتقييم طبي ووظيفي دقيق، ثم ينتقل إلى ورش التصنيع التي تحاول مضاهاة المعايير العالمية رغم شح الإمكانيات، وصولاً إلى إعادة التأهيل التي تضمن دمج المريض في محيطه الأسري.

ويضيف مهنا: "نحن لا نصنع أطرافًا فحسب، نحن نعيد تشكيل حياة. لكننا اليوم نواجه ضغطًا غير مسبوق؛ فأعداد المصابين في تزايد مستمر نتيجة حرب الإبادة، بينما الموارد تضيق وتتناقص".

وبينما يتطور العالم في صناعة الأطراف الذكية والخفيفة، لا يزال مركز غزة يصارع لتوفير أبسط المواد الخام. التحديات هنا مركبة؛ فالبنية التحتية المتهالكة ونقص التقنيات الحديثة يفرضان على الكادر الفني استخدام بدائل أقل جودة، مما يؤثر على عمر الطرف الصناعي ويزيد من الأعباء الجسدية على المبتورين.

يشير مهنا بمرارة إلى الفجوة التكنولوجية: "ما توفره المراكز المتقدمة عالميًا من تقنيات خفيفة هو حلم بالنسبة لنا". موضحًا بأنهم يعتمدون على بدائل تزيد من جهد المريض وتحدّ من قدرته على التكيف السريع، ناهيك عن التحديات المعيشية والمهنية التي تواجه الكادر العامل نفسه، والذي يعمل في ظروف طارئة ومستمرة.

لا يزال مركز غزة يصارع لتوفير أبسط المواد الخام. التحديات هنا مركبة؛ فالبنية التحتية المتهالكة ونقص التقنيات الحديثة يفرضان على الكادر الفني استخدام بدائل أقل جودة

ومما لا شك فيه، أن تطوير قطاع الأطراف الصناعية في القطاع ليس ترفًا طبيًا، بل هو استثمار تنموي يهدف إلى تقليل نسب الإعاقة وتحويل المصابين من متلقين للمساعدات إلى أفراد منتجين يعيلون أسرهم.

ويوجه المركز عبر "نوى" نداءً ملحًا للمجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية والجهات المانحة للعمل الجاد على توفير الدعم اللازم عن طريق تزويده بالمواد الخام والتقنيات الحديثة، أو دعم الكوادر البشرية. 

وتمكين هذا المركز في قطاع غزة -بحسب مهنا-، هو تمكينٌ للإنسان ذاته، وإعادةُ الأمل لمن فقدوا جزءًا من أجسادهم، ولم يفقدوا إرادتهم في الحياة، فكل خطوة يخطوها مريض بطرفٍ صناعي، إنما هي انتصار للإنسانية جمعاء.

كاريكاتـــــير