شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 30 ابريل 2026م19:19 بتوقيت القدس

خريجا "الطب المخبري"..

أنسام وعرفات.. زوجان يحاربان البطالة بـ"الفن"

04 ابريل 2023 - 12:00

غزة:

لم يجد الزوجان الشابان أنسام نعيم وعرفات الخطيب أمامها سوى اللجوء إلى موهبتهما في الرسم، بإنشاء مشروعهما الخاص؛ للإفلات من قبضة البطالة التي طوّقت عنقيهما.

في بهو بيتهما الصغير الأنيق، يتعاون الزوجان العشرينيان في نحت مجسمات فنية من الصلصال الحراري على أكواب البورسلان وفناجين الضيافة، بعد أن أرهقتهما فكرة البحث عن فرصة عمل في تخصصهما الأصلي "الطب المخبري".

تولّى عرفات مهمة تطويع الصلصال بين يديه، لتتسلمه بعدها أنسام التي بدورها، تنقش عليه أشكالًا من الورود، توزعها بعناية وذوق رفيع على جوانب الكوب.

العملية تأخذ منها أقل من ساعة، ينشغل خلالها عرفات بتطويع قطع صلصال أخرى حتى تنتهي، فيستلم منها الكوب الجاهز، ويضعه في فرن خاص مدة ربع ساعة، يخرج بعدها قطعة فنية فائقة الجمال.

"صعوبة الحياة وقلة فرص العمل جعلتنا نفكر خارج الصندوق، لجأنا إلى مواهبنا من أجل تعويض ما عجزت عنه الشهادة" تقول أنسام، بينما تكمل نقش مجسم آخر لمطرقةٍ وميزان، يجسدان مهنة المحاماة.

أنسام التي برعت في نقش الرسوم على قوالب المخبوزات منذ عملها في أحد المحلات الشهيرة، فكّرت في مشروع تستثمر فيه موهبتها تلك، تضيف: "الأشكال التي أضعها على الكعك مصنوعة من عجينة السكر، صنعتُها بإتقان، لكن مع كل جمالها ينتهي بها الحال حين تؤكل. لقد فكرتُ في شيء يجعلها تدوم لأطول فترة ممكنة".

بحثت أنسام جيدًا عما يجعل فكرتها قابلة للتنفيذ، فاستثمرت السيراميك الذي رغم رخص ثمنه، إلا أن جودته لم تكن عالية، فلجأت إلى الصلصال الحراري، الذي تعد تكلفته أعلى نسبيًا "إلا أنه أكثر جودة وجمالًا".

تكمل: "عرضت الفكرة على عرفات، ثم باشرنا العمل"، هنا يتدخّل عرفات ليقاطعها بالقول: "بالنسبة لي كنت حذرًا نسبيًا في البداية كوني أفضّل الواقعية. كثيرًا ما تبوء هذه المشاريع بالفشل، وتسبب إحباطًا لأصحابها، لذا كانت فكرتي أن نبدأ بالتدريج، وبخطوات محسوبة".

بالنسبة لأنسام كان الأمر مختلفًا، فقد اشترت كل ما هو مطلوب للمشروع دفعة واحدة، بدءًا بأكواب الضيافة والصلصال، ومن ثم تجهيز الفرن المخصص، فإنشاء صفحة على الانستغرام بغرض التسويق. يضيف عرفات مبتسمًا: "وضعتني أمام الأمر الواقع وكان عليّ المواصلة، بدأنا العمل ومن ثم ساعدَتْها أختي بإنشاء صفحة للمشروع تحمل اسم ( A.A)، أول حرفين من اسمينا، واستثمرت موهبتها في التصوير لنشر صور منتجاتنا، وانطلقنا بالفعل".

واجه مشروع أنسام وعرفات الكثير من المعوقات مع نقص المواد الخام التي يحتاجون إليها، خاصة مع منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الكثير منها إلى قطاع غزة، خاصة مادة "الريزون" التي تستخدم في صقل المنحوت، فتعطيه جمالًا أخاذًا، إضافة إلى الارتفاع النسبي في أسعار المنتج، وحاجتهم إلى ماكينة عجن الصلصال، وهي غير متوفرة في قطاع غزة، فيلجأ عرفات لعجنها بنفسه.

عودة إلى أنسام التي تقول: "العمل في الصلصال ليس سهلًا، المنتجات اليدوية عمومًا مرتفعة الثمن، لكن منذ بدء المشروع قبل فترة وجيزة لاقت منتجاتنا إعجاب الناس وأقبلوا عليها، وشاركنا في معرض نظمته بلدية غزة قبل شهر اسمه (ريحة بلادي)، وكان هناك إقبال على شراء الأكواب المنقوشة فنيًا".

عن بداية قصتهما مع الفن يخبرنا عرفات: "في المرحلة الإعدادية اكتشفتُ قدرتي على رسم كل الأشياء التي أشاهدها وبمنتهى الإتقان، في البداية كنت أرسم الصور التي أشاهدها في الكتب المدرسية، ومن ثم انطلقت إلى رسومات أخرى، لكن أغلب هذه الرسومات ليست لي، كنت أرسم لأصحابي وأفراد أسرتي".

لاحقًا طوّر عرفات موهبته فبرع في الرسوم المتحركة والمانجا وهي فنون يابانية، ولكن كانت له القدرة على إتقانها دون أن يمارس الفن بشكل احترافي، بل درس الطب المخبري عندما التحق بالجامعة.

أما أنسام فتقول: "الفن ورثته أنا وشقيقاتي عن والدي الذي يتقنه كهاوٍ، أنا الوحيدة التي طوّرت موهبتي وكانت مشاركتي الأولى بمسابقة وأنا في المدرسة الابتدائية وحصدت المركز الأول، وواصلت المشاركة برسومات موضوعاتها عن حقوق الإنسان، وحين التحقتُ بالجامعة، نصحني والدي باحتراف الفن كهواية، وأن أدرس تخصصًا آخر لأحظى بتخصصين، وكان على صواب".

حين وصلت أنسام عامها الجامعي الرابع، اقترحت على عميد كليتها إقامة معرض يربط كل الرسامين، وليكون بصمة لهم بعد التخرج، فلم يكن في القسم سوى أربعة من بينهم هي وعرفات الذي لم تكن تعرفه بعد. كلهم يرسمون بالفحم، وكان عليهم التدرّب بالرسم بألوان الأكريليك على لوحات كانفاس.

تقول أنسام: "أنا وعرفات فقط خضنا التدريب لتطوير مهاراتنا، وبعد المعرض الذي كنا تعرفنا على بعضنا خلاله جيدًا، تقدّم لخطبتي وتزوجنا".

قصة شراكةٍ تكللت بالزواج، وليس أجمل من أن يكون شريك الحياة هو شريك المشروع، ولأن ظروف الحياة لا تأتي كما تشتهي القلوب، فإن مشكلة البطالة واجهت الزوجين الذين أنجبا سريعًا طفلهما الأول عمر.

يقول عرفات: "كانت مشكلة البطالة أول ما واجهنا، فالعمل المخبري مردوده لا يقيم عائلة، ولهذا لجأتُ لمهنٍ أخرى. عملت في مطحنة قهوة، وفي مجال البهارات، وفي مهن متفرقة، والآن أمنح جهدي لهذا المشروع".

تدخلت أنسام لتكمل: "لم نستسلم للبطالة، أنا عملت مع متجر للحلوى في النقش بعجينة السكر على قوالب الكعك، وقبلها عملت في رسم الصور الفوتوغرافية بالفحم، وجمعت صور لفتيات فقدن آباءهن وهن صغيرات في صورة واحدة من خيالين ولاقت إقبالًا جيدًا".

لكن أنسام لم تعمل مطلقًا في تخصصها الذي يتطلب شهادة مزاولة، بينما شهادتها محتجزة بسبب تراكم الرسوم، أما عرفات فاضطر للاقتراض من أجل استخراج شهادته المحتجزة للحصول على فرصة عمل.

تقلّب أنسام بين يديها صورًا لأكواب صنعتها برفقة عرفات، وما بين كوب يجسد مهنة المحاماة، وآخر يجسد مهنة الطب، وسماعة ومايكروفون لمذيع، وأكواب أخرى منقوش عليها أشكال فنية، نمر على فناجين قهوة تعبر عن شهر رمضان، ذاك منقوش عليه فانوس، وآخر مدفع، وثالث مسبحة.

يختتم الزوجان حديثهما بطموحهما في افتتاح متجر يضم كل أعمالهما، وتوسيع دائرة الفن اليدوي بحيث يشمل تفاصيل أخرى يدفعهما الطموح لتطبيقها ويشدهما الواقع نحو الحذر. يوجه الاثنان رسالة للشباب أن يثقوا بعيونهم وقلوبهم، وأن يبحثوا داخل ذواتهم عن موهبة نسوها مع زحمة الحياة، "فالحياة تبتسم فقط للطامحين".

أثناء المشاركة في معرض "ريحة بلادي" الذي نظمته بلدية غزة قبل شهر:

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير