يقف العشريني عيد ربه الهواري كل صباح عند أحد مفترقات في مدينة غزة، يشعل موقده الصغير ويصب الشاي لمن يمر، وبين كل كوب يبيعه وكل شيكل يجمعه، تدور في رأسه حسابات لا تنتهي، ثمن الدواء، وثمن الطعام، وما يكفي وما لا يكفي وما لن يكفي أبدًا.
منذ عام ونصف، بدأ عبد ربه بيع المشروبات الساخنة بعد أن دفعته الحرب وما تبعها من فقدان العمل والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية إلى البحث عن وسيلة تعين والديه المرضى على البقاء، بعدما توقف عن عمله في مجال التمديدات الكهربائية منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر 2023.
لم تكن مهنة بيع الشاي خيار أراده عبد ربه، بل ملاذًا اضطراريًا فرضته الحاجة القاسية، بعدما وجد نفسه المعيل الوحيد لأسرة أنهكتها الحرب والمرض معً
لم تكن مهنة بيع الشاي خيار أراده عبد ربه، بل ملاذًا اضطراريًا فرضته الحاجة القاسية، بعدما وجد نفسه المعيل الوحيد لأسرة أنهكتها الحرب والمرض معًا، فوالده ووالدته يواجهان مرض السرطان وسط غياب العلاج المنتظم، وتعذر السفر لاستكمال العلاج خارج قطاع غزة، في ظل انهيار المنظومة الصحية ونقص الأدوية وارتفاع أسعارها بشكل يفوق قدرتهم على الاحتمال.
يعيش عبد ربه مع أسرته داخل خيمة صغيرة لا تصلح لسكن آدمي، تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، فلا حماية من حر الصيف أو برد الشتاء وتفتقر الخيمة للخصوصية ولأي بيئة صحية تتناسب مع حالة والديه المرضية.
مع اندلاع الحرب على قطاع غزة، وتدمير المنزل وفقدان مصدر دخل العائلة، لم يعد لدى عبد ربه سوى "بكرج" الشاي المتواضع الذي يتنقل به على مفترق السرايا ومنطقة الرمال،
في تلك الخيمة المهترئة، تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مستمرة، النوم المؤلم على الأرض، صعوبة توفير الغذاء المناسب للمرضى، وانعدام الرعاية الصحية اللازمة، كلها تجعل من البقاء تحديًا يوميًا لا ينتهي.
مع اندلاع الحرب على قطاع غزة، وتدمير المنزل وفقدان مصدر دخل العائلة، لم يعد لدى عبد ربه سوى "بكرج" الشاي المتواضع الذي يتنقل به على مفترق السرايا ومنطقة الرمال، يناضل من خلاله لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته، فيما تبقى المصاريف أكبر من قدرة ما يجنيه يوميًا بكثير.
يقول عبد ربه لـ نوى:" خروجي كل صباح للعمل ليس مجرد سعي وراء لقمة العيش، بل محاولة لحماية والدي من الانهيار الكامل" مؤكداً أن ما يثقل كاهله ليس فقط مشقة العمل، بل شعوره بالعجز أمام أوجاعهما المتزايدة، وعدم تمكنه من توفير ما يحتاجانه من علاج وغذاء مناسب.
يشرح لـ نوى:" غيّرت الحرب كل شيء في حياتي بعد أن كنت أعمل في مهنة التمديدات الكهربائية وأحلم ببناء مستقبلي، أصبحت أحمل عبء إعالة أسرة كاملة في ظروف استثنائية".
يتابع:" كل يوم أخرج فيه إلى المفترق أضع نصب عيني هدف واحد، وهو أن أعود آخر النهار بما يكفي لشراء دواء أو طعام أو حتى بعض المستلزمات الأساسية التي تبقي أسرتي قادرة على الاحتمال".
أما عن الخيمة فحدث ولا حرج يقول عبد ربه:" العيش في الخيمة معاناة مفتوحة، فوالداي المرضى بحاجة إلى ظروف صحية خاصة، بينما الواقع لا يوفر حتى الحد الأدنى من الراحة أو الرعاية"، مشيرا أن المرض داخل الخيمة يتضاعف مع نقص المياه النظيفة، وسوء التغذية، والبرد والرطوبة، فضلًا عن الضغط النفسي الناتج عن النزوح الطويل وانعدام الأفق.
رغم سوداوية الواقع لا يتوقف عبد ربه، يعود كل صباح إلى مفترقه، يشعل الموقد، يصب الشاي، ويواصل، ليس لأن الأمل كبير، بل لأن التوقف ليس خيارًا حين ينتظرك في الخيمة من لا أحد له سواك.
























