وفق ما جرت العادة، لا يلبث أن يكون السجن إلا مكانًا لإعادة تأهيل نزلائه، أو لمنعهم من إلحاق الضرر بالبشر والممتلكات، أو لمعاقبتهم على ما ارتكبوه من مخالفات بحق القانون العام والخاص، أمًا أن يكون بيئةً خصبة تدفع بـ "انتحار" أحد الأطفال النزلاء، الذي يفترض أن موقوفاً داخل دار الرعاية الإجتماعية؟ إنه أمرٌ مفزع!.
عند مساء الثاني من أيلول/سبتمبر للعام الجاري، وصل الطفل مصطفي فايق سلمان، من سكان بيت لاهيا، 16 عاماً، إلي المستشفى الإندونيسي بجباليا شمال قطاع غزة، في حالة موت سريري، حيث كان موقوفاً داخل نظارة مركز شرطة بيت لاهيا منذ حوالي شهرين علي أثر اتهامه بالمشاركة في شجار، ما أثار انتقادات حادّة من المؤسسات الحقوقية.
ونقل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان رواية "الانتحار" حسبما قالها مدير النظارة إن "عدد الموقوفين داخل النظارة 70 موقوفاً تم إعطاء إجازة العيد 55 منهم وتبقى داخل النظارة 25، وقد كان وقت الحادثة داخل الغرفة التي كان داخلها المواطن سلمان 8 أشخاص آخرين، حيث توجه للاغتسال في دورة المياه، وكان موقوف آخر بانتظاره على الباب يريد الاغتسال أيضًا، فطلب منه مصطفي أن يغتسل هو الأول فوافق".
يضيف "دخل مصطفى الحمام، وقام بفتح صنبور المياه، وبعد حوالي 10 دقائق افتقده الموقوف الآخر، فقام بالطرق على الباب فلم يجب، إلى أن فتح هو و4 من السجناء الباب فوجدوه معلقاً بنافذة الحمام، حيث أنه مزّق ملابسه الداخلية "الشباح" وقام بربطه في النافذة ثم علّق نفسه، وقد قام حارس النظارة بعمل تنفس صناعي له، ومن ثم تم نقله بسيارة شرطة للمستشفى الإندونيسي".
طفلٌ محتجز شنق نفسه في ثاني أيّام العيد في سجن لبالغين خطرين، إن صحّت الرواية؛ الأكيد أنه لم يفعلها من فرط السعادة وحسن المعاملة، خاصّة مع تعارض الرواية الرسمية، مع حقيقة الجروح والرضوض الموجودة على جسم الضحية، والتي لا يمكن تفسيرها إنها نتاج محاولة انتحار باستخدام ملابسه الداخلية – بحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان -.
ثمّة أسئلة، لا بدّ من طرحها إزاء الحادثة، أبرزها ما السبب وراء إيقاف الطفل في سجن للبالغين؟ وما حجّة مركز النظارة بتوقيفه مدّة شهرين؟ وماذا عن أوضاع السجون من حيث التعذيب، وظروف اعتقال النزلاء الآخرين؟
"لم نخرجه من السجن لحمايته من العائلة التي تقدّمت بالشكوى ضدّه، ولم نوقفه بمؤسسة الأحداث "الربيع" لأن بنيته الجسدية تظهره أكبر من عمره، وفي الحقيقة هو من مواليد أيلول/سبتمبر 2001، أي أنه مقبل على السن القانوني 18 عامًا" بكل بساطة يبرّر إياد البزم الناطق باسم داخلية غزّة، مؤكدًا أنه حاول الانتحار من خلال ربط عنقه بـ "الشباح".
ويتابع البزم أن الطفل لم يتلق أي تعذيب كما قيل، لأنه موقوف إثر شجار، والمحكمة هي من أصدرت أمرًا بتوقيفه، غير أنهم لا يستطيعون إخراجه من السجن بكفالة أو غرامة مالية، إلا بورقة صلح من الطرف الآخر، ما يعني أن بعض التقاليد باتت تمرّر القانون بحجّة "الحماية" واستدراك المشاكل. لافتًا "كنا قد توجّهنا بطلب إلى مؤسسة الربيع لكنها لم تقبله حسب شروطها لأن عمره مقبل على سن الـ 18".
تقول المادة (24) من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل إنه لا يجوز احتجاز طفل داخل النظارة، كما أكدت على ضرورة احتجاز الاطفال (من دون 18 عاماً) في المؤسسات الخاصة بهم (مؤسسة الربيع)، إذ تأتي محاولة انتحار الطفل مصطفى لتكشف مخالفة القانون في السجون دون رقيب أو حسيب.
في الإطار، تلفت مؤسّسة الربيع على لسان الأخصائي محمّد أبو يوسف أنهم لم يستقبلوا أي حالة تعرض عليهم من قبل النيابة، منذ شهر، بسبب اكتفائهم بالعدد المسموح به وهو 48 نزيلًا وفق مساحة المكان، إذ تحتوي المؤسّسة على أربعة "عنابر" في كل واحد جناحين بهما 12سريرًا، وهم عادةً يستقبلون الاطفال من سن 13 إلى 17 عامًا.
وفي حالات الاستثناء تخلي المؤسسة بعض نزلاءها في إجازة منزلية بعد تواصل مع النيابة، كي تتيح الفرصة لعدد آخر، لكنّ اعتباراتها في تصنيف وضع الطفل مصطفى، كانت مختلفة، لظنّها بأن "بنيته الجسدية" قد تشكّل خطرًا على الأطفال المتواجدين حيث يظهر أنه أكبر سنًا منهم.
كما يشير أبو يوسف إلى أن النيابة عرضت عليهم قبل شهر، سجل موقوفين لديها يصل عددهم نحو 80 طفلًا، لكنهم رفضوا استقبالهم بسبب عدم توافر مكان لهم، ما يدل على أن عشرات الأطفال الموقوفين باتوا يحتجزون في سجون البالغين في مخالفة واضحة للقانون، وفي ظروف غامضة.
هذا العجز ليس برسم مدير مؤسّسة أو عامل فيها، إذ يمتد إلى وزارة الداخلية وسواها من المعنيّين. وطالما صار الأمر هكذا، لماذا لا تخلي النيابة سراح هؤلاء، بما أنه ليس لديها مكان لاستيعابهم بحسب المعايير الإنسانية والقانونية؟ بأي حق تسجنهم إذا كانت لا تملك أدوات الإصلاح والتأهيل؟ بل يصل الأمر حدّ وقوع جريمة انتحار طفل في عقر دار الأمن والأمان؟
ويستغرب الباحث في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان محمّد أبو هاشم، من رواية الأمن التي تخطئ في تحديد معايير الطفولة قائلًا: "إنه بالأمر المعيب والمهين، حيث الاعتماد على حجم الطفل لتقدير طفولته وزجّه مع سجناء خطيرين، فيما يفترض أن يكون في المكان المخصص لفئته العمرية، أو يتم إخراجه بكفالة مالية بدلًا من الوصول إلى هذه المرحلة الخطيرة".
ويصف محاولة انتحار الطفل بـ"الجريمة" التي لا يمكن تبرريها محملًا مسئوليتها لمراكز التوقيف والنيابة العامة التي تتابع ظروف الاحتجاز، وأعضاء المجلس التشريعي ولجان المجلس التشريعي أيضًا، معتبرًا "ورقة الصلح" التي كانت النيابة بانتظارها للإفراج عن الطفل ليست قانونية.
كما أنه استكر حجّة الداخلية بحمايته في وجود بالسجن موضحًا "حجة غير منطقية وغير مبررة من سلطة تنتشر عناصرها بالشوارع، فكيف لها تعجز عن حماية طفل من انتقام قد يتعرض له وتدعي حمايته بسجن دفعته ظروفه للانتحار وفقًا لروايتها؟".
























