شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 03 مايو 2026م19:57 بتوقيت القدس

مرام.. طبيبةُ الأسنان التي خلعت الرصاصةُ ابتسامتها

03 مايو 2026 - 18:18

قطاع غزة:

بين شهيقِ الأمل وزفيرِ الفجيعة، ثوانٍ معدودةٍ قلبت حياة الطالبة مرام مقاط رأسًا على عقب، فلم يكن بينها وبين "الحلم الكبير" سوى بضع صفحاتٍ من كتابِ "التوجيهي" ومقعدٍ دراسيٍّ كانت تعود إليه كل صباحٍ كأنها تخوضُ معركتها الخاصة من أجل البقاء، لكنَّ رصاصةً إسرائيليةً، لا تفرقُ بين كتابٍ وكتف، كانت أسرع من طموحها، لتغتالَ جسدها الغضَّ وتبدد حلمًا انتظرته سبعة عشر عامًا.

في السادس عشر من أبريل/ نيسان لعام 2026، لم تكن منطقة "العطاطرة" ببيت لاهيا شمال قطاع غزة سوى لوحةٍ من النزوحِ والصبر، هي منطقة صنفها جيش الاحتلال "خضراء"، وهو تصنيف لا يعني في قاموس الغزيين سوى مزيد من الخديعة.

تعمد الجنود الإسرائيليون الذين يتمركزون في مناطق السيطرة العسكرية إطلاق النار بكثافة يوميًا صوب خيام النازحين

هناك، أمام باب خيمتها، كانت مرام تهمُّ بوضع حقيبتها المدرسية، مثقلةً بهمومِ الامتحانات، لتعاجلها رصاصة "قناص" اخترقت كتفها واستقرت في نخاعها الشوكي، محولة رحلة العلم إلى رحلة وجعٍ أبدي.

وفي القطاع، يتعمد الجنود الإسرائيليون الذين يتمركزون في مناطق السيطرة العسكرية إطلاق النار بكثافة يوميًا صوب خيام النازحين، ناهيك عن القصف المدفعي والجوي الذي لا يتوقف.

للوهلةِ الأولى، سقطت الفتاة، ظنت عائلتها المعتادة على روحها المرحة أنها تمزح! شقيقها، الذي لم يستوعب مشهد الدماء السائل فوق التراب، مازحها بسخرية مكسورة: "عاملة حالك تزحلقتي؟" لكن الرد جاء بصوت واهن كأنه يخرج من بئر عميقة: "تصاوبت.. مش قادرة أحرك جسمي".

تروي والدتها لـ "شبكة نوى" فصول الصدمة التي لم تستفق منها العائلة بعد: "كانت مرام عائدة من المدرسة، وحقيبتها لا تزال على كتفها، لم تدرك ما حدث، وجدت نفسها غارقة بدمائها أمام الخيمة".

أما مرام، التي تحاول استجماع شتات قوتها وهي ترقد فوق سرير المستشفى، فتقول: "كل شيء حدث في ثوان. شعرت بصداعٍ مفاجئ وفقدت الوعي، لم أشعر بالرصاصة وهي تنهش جسدي، شعرت فقط أنني فقدت الاتصال بالأرض".

نقلت الطالبة عبر سيارة إسعاف تابعة للخدمات الطبية، في منطقة تفتقر لأبسط وسائل المواصلات، وصولًا إلى مستشفى الهلال الأحمر الميداني وسط غزة، هناك، وفي زحام الموت والوجع، كان الطبيب والممرض يتحدثان باللغة الإنجليزية عن حالتها، ظنًا منهما أن الفتاة القابعة تحت ألمها لن تفهم شيئًا، لكن مرام، طالبة الفرع العلمي المتفوقة، التقطت الكلمات: "شللٌ نصفي".

شبكة نوى، فلسطينيات: أكثر من خمسة عشر يومًا، ومرام تصارع الألم، تنتظر دورًا في مستشفى "حمد" للتأهيل الطبيعي، الذي غص بجراح الغزيين

تتحدث والدموع تخنق كلماتها: "كأن شيئًا بداخلي كسر للأبد. طوال اليوم أبكي، ثم أحمد الله أن الإصابة جاءت على هذا القدر، لكن فقدان القدرة على الحركة بين عشية وضحاها أمر لا يطيقه بشر".

خضعت لعملية جراحية وُصفت بـ"المعقدة"، استمرت ثلاث ساعات ونصف، نزع فيها الأطباء الرصاصة، لكنهم لم ينزعوا معها اليأس، فأخبروا الأم: "علاجها الآن هو العلاج الطبيعي المكثف، ولا نملك أكثر من ذلك".

أكثر من خمسة عشر يومًا، ومرام تصارع الألم، تنتظر دورًا في مستشفى "حمد" للتأهيل الطبيعي، الذي غص بجراحِ الغزيين حتى لم يعد فيه متسع لسرير واحد!

 تتساءل الأم باستهجان محمل بالقهر: "كيف لمستشفى كامل ألا يجد سريرًا لمريضة في حالتها؟ بدي أنجن.. كل ثانية تفرق في حياتها، وتأخر العلاج الطبيعي يعني ضياع فرصة الوقوف مجددًا".

لقد منح الأطباء العائلة -وفق ما أخبرتنا- بصيص أمل مرهونًا بالزمن: إذا أبدت مرام حركة خلال ثلاثة إلى ستة أشهر من العلاجِ المكثف، فقد تعود لتقف على قدميها، لكن هذا الأمل يصطدم بواقعِ "الخيمة".

تعود الأم لتسأل بمرارة: "كيف لمريضة شلل أن تعيش في خيمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة؟ لا سرير، لا حمام، حرارة شمس حارقة، وحشرات وقوارض. الخيمة تقتل ما تبقى من روحها".

مرام كانت تحلم بأن تصبح طبيبة أسنان، والتي لم يقل معدلها يومًا عن 97%، ترفض أن تكون مجرد رقم في إحصائيات الإصابات

مرام، التي كانت تحلم بأن تصبح طبيبة أسنان، والتي لم يقل معدلها يومًا عن 97%، ترفض أن تكون مجرد رقم في إحصائيات الإصابات، قاطعت حديث والدتها لتقول بلهجة واثقة: "سأستعيد قوتي، وسأدرس حتى وأنا على سرير المرض. سأحقق حلمي وأرفع رأس عائلتي".

في غزة، حيث يغتال الاحتلال المكان والزمان، يبقى المرضى معلقين بين معجزة إلهية أو موت بطيء تحت وطأة الحصار وتأخر التحويلات الطبية، ومرام لا تطلب المستحيل، هي فقط تريد حقها الطبيعي في العلاج، لتعود وتكمل طريقها نحو حلمها المسلوب، تختمُ هنا حديثها بصرخة مكتومة: "نفسي أتعالج عشان أكمل حلمي".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير