شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م10:20 بتوقيت القدس

أريج السعافين.. كيف استخدمت الفنُّ كأداة للترميم؟

04 مايو 2026 - 08:17

قطاع غزة:

تجلس أريج، الشابة الغزية التي تحمل في جعبتها حكاية صبر وصمود، أمام لوحتها، كأنها في خلوةٍ مع روحها، تُرمم ما تصدّع من شظايا الحياة، تُمسك الفرشاة التي تحولت بين يديها إلى سلاحٍ ولسان حال، وتمرّرها على القماش ببطء وحذر، كأنها تُداوي جرحًا غائرًا، أو تختبر قدرتها على الإمساك بما تبعثر من أحلامها.

منذ طفولتها، وجدت أريج في الرسم مساحةً للتعبير عما عجزت الكلمات عن احتماله، وملاذًا يخفّف وطأة ما تمرّ به، لكن اليوم، لم يعد هذا الملاذ ترفًا أو هواية، بل تحوّل إلى ضرورةٍ للبقاء في مواجهة واقعٍ قاسٍ لم يترك لها سوى إعادة تشكيل ذاتها من جديد.

أريج السعافين، خريجة الخدمة الاجتماعية من جامعة الأزهر، ابنة مخيم البريج وسط قطاع غزة، تبلغ من العمر 26 عامًا، مرّت حياتها بسلسلة من التحديات والمحن، ومع اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، اضطرت، كغيرها من آلاف العائلات، إلى النزوح المتكرر بين رفح ودير البلح والزوايدة والنصيرات، تاركةً وراءها ذكرياتها وأحلامها.

السكن في الخيام كان من أصعب ما عاشته خلال الحرب، لا استقرار ولا خصوصية، فقط شعور دائم بعدم الأمان.

في كل محطة، كانت الحياة تُختزل في الحد الأدنى من الأمان، فيما كانت تفاصيل الاستقرار تتآكل تدريجيًا، وتستذكر الشابة هنا تلك المرحلة بمرارة، قائلة: "السكن في الخيام كان من أصعب ما عشته خلال الحرب، لا استقرار ولا خصوصية، فقط شعور دائم بعدم الأمان".

وبعد ثمانية أشهر، عادت إلى منزلها لتجده مثقلًا بآثار الدمار والتجريف، وكأنه فقد ذاكرته ولم يعد يشبه المكان الذي ارتبط بطفولتها، إلا أن مع عودتها هذه لم تنتهِ الحكاية، وإنما بدأت فصول أكثر قسوة! تروي أريج تفاصيل يوم الإصابة: "كنا نقضي النهار في بيتنا والليل في بيت خالتي، ويوم الإصابة خرجنا مبكرًا كالمعتاد، وفي الطريق ألقى الاحتلال علينا القذائف".

وتضيف: "في لحظات قصيرة فقط، تبدّل كل شيء. استُشهد شقيقي أمين في المكان، وأصبت أنا ووالدتي، لأجد نفسي أمام فقدٍ جديد يعيد فتح جرحٍ قديم منذ رحيل والدي عام 2003".

ومنذ تلك اللحظة، تحوّلت الأحداث كلها إلى إدراك مختلف لطبيعة الحياة من حولها، توضح: "أدركت كم أصبح الإنسان وحيدًا في وجعه، وكم صار طلب المساعدة أشبه بتوسّل لا يسمعه أحد"، مشيرة إلى أن ما يزيد القسوة ليس الألم ذاته، بل الطريقة التي يُقابَل بها، حين يُختزل أو يُقارن بآلام الآخرين".

وتزيد: "كأن الألم يحتاج إذنًا كي يُعاش"، لكن أمام هذه الفصول المؤلمة من المراحل التي مرّت عليها، كيف ألهمت أريج المئات غيرها؟

على الصعيد الفني، وفي البداية، ترك فقدان إحدى عينيها أثرًا بالغًا في مسارها، إذ تغيّر أسلوبها وتراجعت قدرتها على التركيز، ليصبح الرسم فعلًا يرافقه التعب والضبابية أكثر من الوضوح، وتقول: "كنت أضع روحي في تفاصيل العين، وحين خسرتها شعرت أنني خسرت شغفي وحلمي".

لم تحظَ أريج بدعمٍ يُذكر، ليس غيابًا للتعاطف، بل لأن الجميع، كما تقول، منشغل بمحاولة النجاة من ألمه

ورغم ذلك، لم تتوقف عن الرسم، لحظة التحول جاءت بطلبٍ عابر من صديقة لرسم بورتريه، لكنه فتح أمامها سؤالًا حاسمًا: لماذا أتوقف؟ "كان الرسم الشيء الوحيد الذي يبقيني واقفة وقوية"، ومنذ ذلك الحين، واصلت العمل رغم الألم، وإن كان التوقف يفرض نفسه أحيانًا بسبب التعب وضعف التركيز.

توضح أريج أن لوحاتها ليست انعكاسًا جماليًا للعالم، بل امتدادًا مباشرًا لتجربتها مع الحرب؛ فهي لا ترسم الدمار بصورته المباشرة، بل تحضره في الفراغ والنقص والخطوط المترددة، وتضيف أن كل لوحة تحمل شيئًا مفقودًا كما في داخلها، فيما باتت العيون محور أعمالها، كأنها محاولة دائمة لاستعادة ما فُقد أو التعبير عمّا لا يُقال.

تواجه أريج تحديات إضافية مع نقص الأدوات الفنية، إذ لم يتبقَّ لديها سوى القليل من مواد الرسم، بعدما اضطرت عائلتها لاستخدام بعضها لإشعال النار في ظل انعدام الغاز، ومع ذلك، تواصل الرسم بما هو متاح، حتى على الجدران أحيانًا، في محاولة للإمساك بخيطٍ رفيع يربطها بما تبقّى من ذاتها.

لم تحظَ أريج بدعمٍ يُذكر، ليس غيابًا للتعاطف، بل لأن الجميع، كما تقول، منشغل بمحاولة النجاة من ألمه، ومع ذلك، ظل وجود عائلتها مصدر قوةٍ صامت، رغم الفقد الكبير الذي أصابهم برحيل شقيقها أمين وما خلّفه ذلك من أثرٍ عميق في حياتهم.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير