غزة-نوى:
ما أن يطرح الصحافيون الاستقصائيون في قطاع غزة قضيّة فساد أو يوثقونها إلا وتبدأ حملات السب والشتم والتشهير، أو التهديد بالقتل من جهات معروفة، وأخرى غير معروفة، في ظل غياب واضح لقوانين وسياسات قادرة على حماية الصحافيين/ات ومصادرهم/ن ، بل قد يتم استغلال قانون كقانون العقوبات لإدانتهم/ن.
الهجوم الذي تعرضت له الصحفية الاستقصائية هاجر حرب، سبق وتعرض له الصحفي الاستقصائي أمجد ياغي، ويبدو أن حالتيهما قد تدفع- في كثير من الأحيان - الصحافيين إلى العزوف عن الخوض في كشف قضايا مسكوت عنها قد تكلفهم أرواحهم.
حالة الترهيب والتخوين والاساءة قد تجيب على أسباب عزوف الصحفيات – بشكل كبير- عن الخوض في تحقيقات تدفع ثمنها بشكل مضاعف عن زميلها الصحفي.
هل نحن بحاجة لقوانين نشر ومواثيق شرف تحمي الصحفي الاستقصائي بشكل خاص؟ هل البيئة الاجتماعية السياسية قادرة على توفير الحد الأدنى من الدعم والحماية لمن يقررون الخوض الحقيقي في مهنة المتاعب؟
هاجر حرب عملت تحقيقاً مصوراً يتطرق لشبهات الفساد في ملف التحويلات الطبية للعلاج بالخارج، وأظهرت فيه أحد الأطباء وهو يتلقى رشوة بعد اتفاق مسبق تم بينه وبين السمسار الذي أوصلها له، وبين معدة التحقيق، لتعكس شكلاً من أشكال شبهات الفساد في هذا الملف، وتقول حرب " بعد نشر التحقيق وقع عليّ انتهاكاً مزدوجاً، انتهاك من الحكومة، وآخر من طبيب يدعى أنه تضرر من هذا التحقيق ، إضافة إلى حملة شنها أطباء أخرون ومقربون من الطبيب وعائلته ولا تربطهم بمعدة التحقيق ولا بمضمون ما ورد في التحقيق أية صلة. وتفسر" "تم استدعائي للنيابة بناء على شكوى مقدمة ضدي من مكتب الإعلامي الحكومي بغزة، وقد سعت النيابة إلى الضغط عليّ للكشف عن مصادري لكنني رفضت لأن القانون يجيز لي ذلك، مضيفة أن الجهات الأمنية تعاملت معها في بادئ الأمر وكأنّها متهمة، حيث قال لها وكيل النيابة إن رفضها الكشف عن مصادرها قد يحيلها لمتسترة على مجرمين" و قد استغرقت جلسة التحقيق الأولى مدّة ساعتين – حسب قولها.
تفيد حرب أن التحقيق معها ما زال مفتوحاً وأن القضية أمام النيابة لم تنتهِ بعد، هذا عدا عن حملات السب والشتم والاتهام بالعمالة والتشيّع ونعتها بالألفاظ النابية على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى إغلاق صفحتها الشخصية على موقع "فايسبوك" وانتحال شخصيتها على مواقع التواصل، ومحاولات اختراق أجهزتها الشخصية لابتزازها.
وتوضح أنها لم ترد على الترهيب الذي تتعرض له، إلا أنها تقدمت بشكوى رسميّة للنائب العام- شكوى قذف وتشهير- ولكنها عبرت عن استياءها من مواقف بعض الصحافيين ووكالات الأنباء قائلة: "الجميع شاهد الحملة التي شُنت علي من اليوم الأول، لن أنسى موقف وكالة معروفة في غزة قامت بنشر فيديو لأشخاص لم أسيء لهم، بل قاموا بسبي وشتمي في الفيديو" معتبرة أن هذا مشاركة واضحة في الانتهاك خاصّة وأن الوكالة لم تنشر تحقيق حرب بالأساس، واكتبفت بنشر فيديو يهاجمها، وهذا مخالف لأصول العمل الصحفي.
وعند سؤال هاجر إن كانت التهديدات ستردعها عن اجراء تحقيقات أخرى، قالت " ما يحدث لي يحثني على عمل تحقيقات استقصائية أخرى، لأنها توجع الفاسدين، وقد تساهم بشكل كبير في التصدي لظواهر فساد تمس حياة الناس اليومية في قطاع غزة وتهدد مستقبلهم"
أمّا الصحافي أمجد ياغي، فيقول أنّ المضايقات بدأت منذ نحو ثلاثة أعوام، بعد طرحه لعدد من القضايا المجتمعية المهمة عبر تحقيقات استقصائية أزعاجت بعض الجهات التي تناولتها التحقيقات، ويضيف أن تهديدات بالقتل وصلته بالفعل كان آخرها رسالة عبر الهاتف المحمول بعد نشر تحقيق "لا عزاء للنساء المقتولات في غزة" معتبرا التهديدات هي تأكيد على صحة ما ورد في التحقيقات وأن رسالته قد وصلت.
وبعد نشر تحقيقه "التحرش والرشوة الجنسية تلاحقان الباحثات عن العمل " تعرض لتهديدات جديدة، وهجوم كبير من قيادات من حركة حماس وبعض المؤيدين لها، وبعض القائمين على المؤسسات الدولية في غزة والمحاميين والصحافيين، لأن التحقيق قد مس بعضهم- رغم عدم ذكر أي أسم- معتبرين أن المس بشخص منهم هو اساءة للمهنة كلها، رغم أن هذا لم يكن هدف التقرير أبداً.
ويبدو أن اللجوء للنيابة وتقديم شكاوى ضد الصحافيين، أصبحت نهجاً لمواجهة الصحافيين الاستقصائيين، فياغي كزميلته حرب قُدمت ضده شكوى من نقابة المحاميين بتهمة الاساءة لمهنة المحاماة بسبب تعرض التحقيق لمحامين يتحرشون بموظفات أو طالبات عمل داخل مكاتبهم، وذات الشكوى المقدمة من المكتب الإعلامي الحكومي ضد زميلته حرب، قُدمت ضده بحجة أن التحقيق يسيئ للمجتمع الغزّي ويفكّك من ترابطه ويثير البلبلة، ويتساءل ياغي "هل دور مكتب الإعلامي الحكومي في غزة مراقبة ما ينتجه ويكتبه الصحافيون والضغط عليهم لكشف مصادرهم؟ أم أن دوره – يقصد الإعلام الحكومي- دعم الصحافيين في الكشف عن شبهات الفساد، وحماية الصحافيين؟"
وفي ظل حملات التشويه والتهديد والاستدعاءات للنيابة، صدَرت نقابة الصحافيّين الفلسطينيين بيانات إدانة لهذه الحملات التي تعرضت لها الصحفية هاجر حرب، والصحفي أمجد ياغي، مؤكّدة على حق ودور الصحافي في تسليط الضوء على القضايا التي تهم الرأي العام الفلسطيني، وكذلك على حق الجمهور في الاطلاع والمعرفة، بما يعزز معايير النزاهة والشفافية في المجتمع.
فيما دعا عضو مجلس نقابة الصحفيين شريف النيرب الصحافيين الذين ينفذون هذا النوع من التحقيقات أن يعرضوا تحقيقاتهم على محامين ومختصين قبل نشرها، وفي ذات الوقت نفى أي تقصير من النقابة تجاه هؤلاء الصحافيين، فالنقابة ناقشت موضوع قانون نقابة الصحفيين وقانون النشر والمطبوعات، وهناك سعي حثيث لاقرارهما من قبل الرئيس.
وفي سؤال حول وجود محام للنقابة لمتابعة هذه القضايا لدى النيابة وحضور التحقيق مع الصحافييين أثناء استجوابهم، أفاد تحسين الأسطل نائب نقيب الصحافيّين أنه يتم الاستعانة بالمحامي بكر التركماني من مؤسّسة أمان للمتابعة مع الصحافيين أثناء استجوابهم.
العمل في التحقيقات الاستقصائية هو سير في حقل ألغام، وهذا ما يعرفه كل صحفي/ة يقرر خوض غمار هذا العمل في ظل غياب القوانين الحامية، والبيئة الداعمة- بما فيها ضعف نقابة الصحافيين وتحديداً في قطاع غزة- ، وأسوأ من ذلك حين يتجند بعض الصحافيين لمحاربة زملائهم/ زميلاتهم الذين اتخذوا قرار شجاعاً بالسير في هذا الحقل متسلحين بمهنية التقارير التي يكتبونها، وحقهم في عدم الكشف عن مصادرهم، ووقوف مؤسسات حقوق الانسان وبعض المؤسسات الإعلامية إلى جانبهم، والأهم دعم غالبية الصحافيين والصحفيات لهم، لأن الاستقصاء صار نهجاً اقتحم الساحة الصحفية الغزية ولا مجال للعودة عنه.
























