غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تولد الفكرة في غزة بوصفها لعبة عابرة، ولا كامتداد خفيفٍ لتيارٍ رقمي يلهو به العالم، بل خرجت من قلب الحاجة، من لحظةٍ التقطها هاتفٌ بسيط لطفلٍ يطلب من والده أن يبتعد قليلًا، ثم يركض نحوه ضاحكًا.
"بابا، تركض لي".. جملة قصيرة، عبرت الحدود كترند عالمي، لكنها ما إن وصلت إلى غزة حتى تبدّل معناها، وانحرفت دلالتها بعيدًا عن خفّتها الأولى.
هنا، لا تُعاد صناعة اللحظة بدافع المزاح، بل تُنتزع من بين أنياب واقعٍ قاسٍ، وتُحمَّل بما يفوق قدرتها على الاحتمال؛ ذاكرة فقد، ومسافات فُرضت بالقوة، وحنينٌ متواصل إلى شعورٍ بالأمان لم يعد متاحًا كما كان.
"بابا، تركض لي".. جملة قصيرة، عبرت الحدود كترند عالمي، لكنها ما إن وصلت إلى غزة حتى تبدّل معناها، وانحرفت دلالتها بعيدًا عن خفّتها الأولى.
ما يبدو في مكانٍ آخر مشهدًا عفويًا، يتحوّل في غزة إلى محاولة شاقة لاصطناع حياةٍ طبيعية، ولو لثوانٍ قصيرة.
في أحد مخيمات النزوح بمنطقة المواصي جنوبي القطاع، يقف محمود عليان ذو الأعوام العشرة أمام خيمةٍ تتلاعب بها الرياح. يبتسم رغم كل شيء، ويطلب من والده أن يبتعد قليلًا، ثم أن ينطلق نحوه بكل طاقته، ويعانقه بقوة، وكأنه يتمسك بلحظةٍ يخشى انقضاءها.

يقول والده: "نحاول اقتناص أي لحظة تشبه الحياة التي نعرفها، حتى لو بدت بسيطة"، موضحًا أن هذا الركض ليس مجرد تقليد لما يحدث في العالم، بل محاولة لمجاراة حياةٍ تبدو وكأنها تجري في مكانٍ آخر، حياةٍ موازية لا تصل إليهم، لكنهم يصرّون على الاقتراب منها من أجل أطفالهم.
بالنسبة لمحمود، لا يختصر الأمر في مقطعٍ يُنشر على وسائل التواصل، بل في شعورٍ عابر بالأمان، لحظة حقيقية يعيشها بين ذراعي والده، ولو لدقائق معدودة.
لم يكن المشهد بالنسبة لليان تمثيلًا، بل وسيلة للتعبير عن غيابٍ لا يمكن ترميمه، ومحاولة لملء فراغٍ لا يُملأ.
غير أن هذا الامتياز البسيط لا يتوفر للجميع، ففي مركز نزوحٍ بمنطقة النفق وسط غزة، تقف ليان مهنا، ذات الأعوام الثمانية، أمام الكاميرا، تبتسم بخجل، ثم تبدأ الركض، لا نحو أحد، بل نحو فراغٍ ثقيل.
والدها استُشهد قبل أشهر، ولم يبقَ لها سوى ذاكرةٍ تحاول الإمساك بها عبر هذا المشهد.
تروي والدتها أن ابنتها أصرت على تنفيذ الفكرة كما يفعل بقية الأطفال، لكنها لم تكن تسعى إلى تقليدهم بقدر ما كانت تبحث عن طريقةٍ لتشعر أن والدها ما زال حاضرًا.
كانت الأم تظن ابنتها صغيرة ولن تستوعب الغياب، لكن ليان بدت وكأنها تختصر الزمن، وتدرك ما حدث في كل تفصيلة، حتى في "ترندٍ" عابر.
لم يكن المشهد بالنسبة لها تمثيلًا، بل وسيلة للتعبير عن غيابٍ لا يمكن ترميمه، ومحاولة لملء فراغٍ لا يُملأ، وحين عرضت الأم أن تركض هي بدلًا عنه، رفضت الطفلة، مؤكدة أنها تريد أن يكون المشهد صادقًا، كما هو، ليرى العالم ما فعلته الحرب، ولتقول بطريقتها البسيطة إن والدها لم يعد موجودًا.
تتوقف الأم عند هذه اللحظة بكثيرٍ من الألم، متسائلة: "كيف لطفلةٍ في هذا العمر أن تدرك معنى الفقد بهذه القسوة؟".
كانت تسمع ممن حولها أن ابنتها صغيرة ولن تستوعب الغياب الآن، وأن الفهم سيأتي لاحقًا، لكن ليان بدت وكأنها تختصر الزمن، وتدرك ما حدث في كل تفصيلة، حتى في "ترندٍ" عابر.
من داخل المستشفى، تُصوّر مريم مقطعًا قصيرًا، تركض فيه ببطء نحو الهاتف، كأنها تعبر المسافة بين بلدين، أو كأنها تحاول أن تعانق والدها عبر الشاشة.
وفي مكانٍ آخر، بعيدًا عن القطاع، تحمل القصة وجهًا مختلفًا للفقد ذاته، مريم شاهين، ذات الأحد عشر عامًا، اضطرت لمغادرة غزة لتلقي العلاج بعد إصابتها خلال الحرب.
من داخل المستشفى، تُصوّر مقطعًا قصيرًا، تركض فيه ببطء نحو الهاتف، كأنها تعبر المسافة بين بلدين، أو كأنها تحاول أن تعانق والدها عبر الشاشة.
بصوتٍ مؤثر تخبرنا أنها تشتاق إليه، بينما يبقى هو في غزة، عالقًا بين الخوف والانتظار، عاجزًا عن الوصول إليها، كما هي عاجزة عن العودة.
أخصائية نفسية: "بساطة الفعل لا تُلغي دلالاته، بل ربما تخفي وراءها مستوياتٍ عالية من الضغط النفسي. هذه المحاولات، تمثل شكلًا من أشكال التفريغ، ومحاولة لاستعادة توازنٍ مفقود".
هكذا، يتحوّل الركض إلى لغةٍ بديلة، تختصر مسافاتٍ لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالقلق والغياب. حركة صغيرة، لكنها محمّلة بكل ما لم يعد ممكنًا قوله أو عيشه.
وفي تفسيرٍ لما يجري، ترى الأخصائية النفسية إيمان شعبان أن هذه السلوكيات ليست مجرد تقليد عابر، بل تعبير عميق عن حاجة الأطفال إلى الأمان والارتباط.
وتوضح أن بساطة الفعل لا تُلغي دلالاته، بل ربما تخفي وراءها مستوياتٍ عالية من الضغط النفسي، وأن هذه المحاولات، على هشاشتها، تمثل شكلًا من أشكال التفريغ، ومحاولة لاستعادة توازنٍ مفقود في بيئةٍ مثقلة بالصدمة.
في غزة، تمتدّ الحكاية في قلوبٍ صغيرة تعلّمت مبكرًا كيف تُخفي وجعها داخل لعبة.. "بابا، تركض لي" لم تعد دعوةً بريئة للمشاركة في "ترند" عابر، بل صارت نداءً مكتومًا لاستعادة ما سلبته الحرب، ومحاولةً متكررة لملامسة أمانٍ يتبدّد بعد كل قصف.
وبين طفلٍ يعانق والده، وآخر يركض نحو فراغ، تبقى الحقيقة واحدة، أن الطفولة هنا لا تُقاس بسنوات العمر، بل بحجم الفقد الذي مُنيت به، وبقدرتها المدهشة على أن تبتكر الحياة.
























