غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في ساحةٍ ضيقةٍ تتناثر حولها خيام النزوح، ارتفعت أصواتٌ تحاول أن تستعيد شيئًا من زمنٍ لم يكن اللقاء فيه يحتاج إلى موعدٍ أو عناء.
رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ جلسوا في دوائر صغيرة، يتبادلون التحايا والذكريات، بينما امتزجت رائحة الطعام البسيط بأحاديثٍ طويلة عن بيوتٍ تركوها خلفهم، وعن مدينةٍ ما زالت تسكنهم رغم الخراب.

هنا، في أرضٍ أنهكتها حربٌ إسرائيلية مستمرة منذ أكثر من عامين، حاول أهالي بيت لاهيا أن يستعيدوا تقليدهم السنوي المعروف بـ"اللَّمّة اللهوانية"، لقاءٌ اعتادوا أن يجتمعوا فيه كل عام، لكنّه هذه المرة جاء مثقلًا بوجع النزوح، ومحاطًا بذاكرة مدينةٍ تغيّر وجهها تحت القصف.
يقول أبو محمد المصري (52عامًا)، وهو أحد كبار العائلات الذين حرصوا على الحضور رغم النزوح: "اللَّمّة اللهوانية ليست مجرد تجمعٍ عائلي، بل عادة قديمة بين أهل بيت لاهيا (..) كنا نجتمع كل عام في يومٍ محدد، نلتقي بأقاربنا وأصدقائنا، ونتبادل الطعام والقصص، وكان الناس يأتون من كل الأحياء. اليوم، حتى ونحن نازحون، حاولنا أن نحافظ على هذا التقليد، لأننا نشعر أن هذه اللَّمّة تذكرنا بأننا ما زلنا عائلة واحدة".
""في السنوات الماضية كانت اللَّمّة تُقام في بيوتٍ واسعة أو في ساحات العائلات، وكانت الموائد ممتلئة. اليوم لا بيوت ولا موائد كبيرة، لكن مجرد اجتماعنا معًا يعني الكثير".
يتوقف قليلًا وهو يراقب الأطفال الذين يركضون بين الخيام، ثم يضيف: "في السنوات الماضية كانت اللَّمّة تُقام في بيوتٍ واسعة أو في ساحات العائلات، وكانت الموائد ممتلئة. اليوم لا بيوت ولا موائد كبيرة، لكن مجرد اجتماعنا معًا يعني الكثير، نحن نريد أن نقول لأنفسنا ولأطفالنا إن بيت لاهيا ليست مجرد مكان، بل ناس وروابط وعلاقات".
غير بعيدٍ عنه، كان كمال الكفارنة (45 عامًا) يتابع أحاديث الشباب الذين التقوا بعد شهورٍ طويلة من التشتت.
يقول: "هذا اللقاء أعاد إلي شيئًا من الشعور الطبيعي الذي فقدته منذ بداية الحرب"، مردفًا: "النزوح فرّقنا كثيرًا، كل عائلة ذهبت إلى مكان، وبعضنا لم نلتقِ بهم منذ شهور (..) عندما سمعت عن تنظيم اللَّمّة اللهوانية شعرت أنني بحاجةٍ إلى الحضور، حتى لو كانت الظروف صعبة".

ويتابع: "في بيت لاهيا كنا نعيش قريبين من بعضنا، الباب بجوار الباب، لكننا اليوم نلتقي في خيامٍ أو مدارس، لكن عندما رأيت الشبان الذين كنت أزورهم يوميًا شعرت أنني عدت إلى الحياة قليلًا"، مستدركًا: "حتى أحاديثنا عادت إلى ذكريات المدينة: الأراضي، والأعراس، ورمضان الذي كنا نقضيه معًا".
ويرى كمال أن مثل هذه اللقاءات باتت ضرورة نفسية في ظل ما يعيشه الناس من فقدٍ متواصل. فالحرب -وفق تعبيره- لم تسلبهم البيوت فقط، بل نزعت من حياتهم إحساس الأمان والاعتياد.
"الحرب أخذت منا الكثير، بيوتنا، وأحبابنا، وحتى شعورنا بالأمان، لكن هذه اللَّمّات تمنحنا إحساسًا أننا لسنا وحدنا، عندما يجتمع الناس ويتحدثون ويضحكون قليلًا، يشعر الإنسان أنه ما زال قادرًا على الاستمرار".
"كنا نتحدث بيننا عن الأيام القديمة، عن اللَّمّة التي كانت تجمع الجميع، عندها جاءت الفكرة: لماذا لا نحاول إقامتها حتى ونحن نازحون؟ ربما لن تكون كما كانت، لكن المهم أن نجتمع".
أما الشاب أحمد الكحلوت (27 عامًا)، فقد كان من بين الذين ساهموا في تنظيم اللقاء بين العائلات النازحة. يقول: "الفكرة بدأت ببساطة، حين لاحظنا أن كثيرين من أبناء بيت لاهيا يتحدثون بحنينٍ واضح عن اللَّمّة السنوية التي انقطعت مع اندلاع الحرب".
ويشرح أحمد: "كنا نتحدث بيننا عن الأيام القديمة، عن اللَّمّة التي كانت تجمع الجميع، عندها جاءت الفكرة: لماذا لا نحاول إقامتها حتى ونحن نازحون؟ ربما لن تكون كما كانت، لكن المهم أن نجتمع".
لم يكن التنظيم معقدًا، كما يروي، لكنه حمل معنى كبيرًا. يزيد: "تواصلنا مع العائلات المنتشرة في أماكن النزوح المختلفة، وحددنا موعدًا بسيطًا للقاء. بعضهم أحضر قهوة، وآخرون جلبوا تمرًا أو ما تيسر من طعام.. لم يكن الطعام هو الفكرة الأساسية، بل الاجتماع نفسه".
"الجيل الأصغر لم يعش اللَّمّة كما عرفها الكبار، لذلك أردنا أن نعرفهم إليها ولو بصورةٍ مختلفة، فهذه العادة، كانت دائمًا تعني أن أبناء بيت لاهيا مهما تفرّقوا يعودون ليلتقوا من جديد".
ويكمل: "الجيل الأصغر لم يعش اللَّمّة كما عرفها الكبار، لذلك أردنا أن نعرفهم إليها ولو بصورةٍ مختلفة، فهذه العادة، كانت دائمًا تعني أن أبناء بيت لاهيا مهما تفرّقوا يعودون ليلتقوا من جديد".
وفي ساحة النزوح تلك، حيث لا بيوت ولا شوارع مألوفة، بدا أن الناس يحاولون إعادة بناء شيءٍ آخر غير الجدران، يتجلى في روابطهم القديمة.
وبين فناجين القهوة، وذكريات البيوت، وضحكاتٍ خفيفةٍ تتسلل وسط التعب، كانت اللَّمّة اللهوانية تحاول أن تقول "إن المدينة التي هُدمت بيوتها ما زالت حيّةً في قلوب أهلها".
























