غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل أذان المغرب بدقائق، تجلس سعاد مهنا عند طرف خيمتها، تُعدّل طبقًا صغيرًا وتضعه جانبًا، كما لو أن صاحبه سيتأخر قليلًا ثم يصل معتذرًا. المقعد أمامها خالٍ، لكن اسم صاحبه حاضر في كل تفصيلة. محمد مفقود منذ شهور؛ لا خبر يقين، ولا قبر تُسلِّم عنده قلبها.
تُشيح بوجهها عن المائدة وتقول: "أترك حصته كما هي، إن رفعتها أشعر أنني خذلته". في رمضان، لا ينقصها الطعام وحده، ينقصها الابن الذي كان آخر من يبدأ الإفطار، والأول في إيقاظها للسحور.
الانتظار لديها صار طقسًا ثابتًا، يتكرر مع كل أذان، كأن الزمن توقف عند لحظة غيابه.

فقدت سعاد أثر محمد خلال نزوحه من شمالي القطاع إلى جنوبه في يناير 2024م. منذ ذلك اليوم، تعيش معلّقة بين رجاءٍ وخوف. ما تزال تطهو ما يحبّه، وتحتفظ بملابسه المطوية التي انتشلتها من تحت ركام منزلهم المدمر بفعل القصف الإسرائيلي.
تقول بصوت مكسور: "لو قالوا لي استُشهد، لبكيت وانتهى الانتظار، لكن المفقود يعلّقك بين احتمالين لا ينتهيان". في الليل، تستعيد صوته وهو يطرق الباب قبيل السحور، وفي الفجر تُحصي خطوات لم تصل. تضيف: "رمضان كان شهر لمّتنا، واليوم صار امتحان الصبر الأطول".
الإبادة لم تسلب الأرواح وحدها، بل سلبت التفاصيل الصغيرة التي كانت تُعرّف الشهر، وحوّلته إلى موسم للفقد المفتوح.
رمضان في غزة هذا العام لا يبدأ بدعاء جماعي، ولا ينتهي بسمرٍ عائلي. يبدأ بمقاعد ناقصة، وينتهي بأسماء تُذكر همسًا، فالإبادة لم تسلب الأرواح وحدها، بل سلبت التفاصيل الصغيرة التي كانت تُعرّف الشهر، وحوّلته إلى موسم للفقد المفتوح.
مريم حجاج، ذات الأعوام العشرة، تجلس قرب أمها وتمسك مسبحتها الصغيرة. كان والدها (شهيد الإبادة) يوقظها في أول أيام رمضان، ويمنحها هدية تشجيعًا على الصيام.
هذا العام استيقظت على صمتٍ مطبق، وتقول: "كنت أريد أن أخبره أنني صمت يومًا كاملًا".

تنظر إلى المكان الفارغ على المائدة، حيث كان يجلس، تتذكر يده وهي تمسك بيدها إلى صلاة التراويح، ودعاءه قبل الإفطار. تضيف بصوت خافت: "أدعو وحدي الآن، وأطلب أن يزورني في المنام لأخبره أنني كبرت".
وفي خيمة نزوح تكاد تغرقها مياه الأمطار، يقلب معتز عبده فانوسًا مكسورًا احتفظ به. كانت ابنته ليان تُصرّ كل عام على تزيين البيت بأوراق ملوّنة بسيطة.
يقول بابتسامة يغالبها الحزن: "كانت ترى الفرح واجبًا". استُشهدت ليان في قصفٍ مفاجئ، وبقي الفانوس شاهدًا على آخر رمضان جمعهم.
يستعيد معتز أول إفطار بعدها: "لم أستطع رفع الملعقة". يحاول أن يُبقي ذكراها حيّة، فيوزّع تمرًا باسمها، ويقصّ على إخوتها حكايات عنها.
يستعيد معتز أول إفطار بعدها: "لم أستطع رفع الملعقة". يحاول أن يُبقي ذكراها حيّة، فيوزّع تمرًا باسمها، ويقصّ على إخوتها حكايات عنها، كأن الحكاية قادرة على سدّ الفجوة التي تركها الغياب.
ويضيف: "ليان كانت روحي، ورمضان بالنسبة لي صار اختبار إيمان.. أؤمن أنها سبقتنا إلى مكان أرحب، لكن الفقد قاتل، والشهر الفضيل قلّب الأوجاع ونبشها بكل تفاصيلها".
سلمى علي فقدت زوجها الذي كان يتكفّل بكل تفاصيل الشهر. منذ رحيله، تغيّر إيقاع البيت. باتت تُحضّر إفطارًا بسيطًا، وتجلس مع أطفالها لتروي لهم قصص أبيهم، كيف كان سبّاقًا في تلبية احتياجاتهم، وكيف كان يعمل عملًا إضافيًا ليؤمّن ثمن زينة وفانوس لأطفاله، الذين لم يتجاوز أكبرهم السادسة.
في السحور، توقظ سلمى أطفالها برفق، لا لتهيئتهم للصيام لصغر سنّهم، بل لتسدّ فراغ وحدتها، وتعلّمهم دعاءً جديدًا كل ليلة، كأنها تبني بهم جسرًا يصلها بذكراه.
في السحور، توقظهم برفق، لا لتهيئتهم للصيام لصغر سنّهم، بل لتسدّ فراغ وحدتها، وتعلّمهم دعاءً جديدًا كل ليلة، كأنها تبني بهم جسرًا يصلها بذكراه.
هكذا يمضي رمضان في غزة، مترتبًا على خساراته، محمّلًا بأسماء لم تعد تجلس إلى الموائد، وبأصوات غابت وبقي صداها.
لا يُقاس الشهر بعدد الأطباق، ولا بزينة الشوارع، بل بقدرة العائلات على مواصلة الطقوس رغم الفقد، وبالدعاء الذي يُرفع لأرواح سبقت، ولأخرى ما تزال مفقودة.
هنا، يصبح الصيام عن الفرح درسًا إضافيًا في الصبر، وتغدو الذاكرة مائدة لا تخلو من الأحبة، مهما غابوا.
























