شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 11 فبراير 2026م10:16 بتوقيت القدس

لا ينسى الغزيون وقفته خلال المجاعة..

في اليوم العالمي للبقول: "عدس" غزّة.. طعام "الصمود"

10 فبراير 2026 - 10:12

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على موقدٍ بدائيٍّ تغلي حبّات العدس. لا يتصاعد مع البخار عبقُ التوابل الفاخرة، بل رائحة الاكتفاء القسريّ؛ في وجبةٍ تُطهى على عجل لتسدّ جوع عائلة كاملة في بيتٍ بلا كهرباء، وتحت سماءٍ لا تهدأ فيها أصوات القصف.

لم يعد العدس تفصيلًا عابرًا في المطبخ الغزّي، بل صار محور اليوم وخطّ النجاة الأخير في مجاعةٍ تتّسع تحت حرب الإبادة.

اليوم العالمي للبقوليات، مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتسليط الضوء على أهميتها الغذائية والبيئية، ودورها في تحقيق الأمن الغذائي وتحسين صحة التربة ومواجهة تغيّر المناخ.

يمرّ اليوم العالمي للبقوليات -الذي يوافق العاشر من فبراير كل عام- على الغزيين بلا احتفاء. يمرّ كذكرى بعيدة عن الطقوس، وقريبة حدّ الالتصاق بالواقع. فالبقوليات، وعلى رأسها العدس، تحوّلت من خيارٍ غذائيّ صحي إلى غذاءٍ اضطراريّ يواجه به الناس الجوع، بعد أن غابت اللحوم والخضار وحتى الطحين عن الأسواق، أو صارت بعيدة المنال.

اليوم العالمي للبقوليات، مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتسليط الضوء على أهميتها الغذائية والبيئية، ودورها في تحقيق الأمن الغذائي وتحسين صحة التربة ومواجهة تغيّر المناخ، أمّا في غزة، فقد خرج العدس من سياق التوعية، ودخل مباشرة في صلب معركة البقاء.

تجلس اعتدال مهادي، ذات الاثنين والستين عامًا، قرب قدر العدس، تراقب غليانه كما لو أنها تحرس ما تبقّى من يوم العائلة.

تقول: "أنتمي إلى جيلٍ عرف المجاعة حين كان يُقال إن لا أحد يموت من الجوع، قبل أن تستعيد كيف كان العدس قبل الحرب حساءً شتويًا عابرًا، ثم صار الوجبة الأساسية مع اشتداد الحصار".

تتذكّر كيف كان يُطهى بطرقٍ مختلفة؛ مرّة شوربة مع الجزر المبشور، ومرّة طبيخًا يُسكب على فتات الخبز ويُؤكل مع البصل والجرجير والزيتون. "لكن تحت حرب الإبادة، تغيّر شكله وطعمه، وصار يُطهى من الماء والملح فقط، وأحيانًا مع القليل من البصل إذا سُمح بدخوله القطاع" تستدرك.

ومع مرور الوقت، لم يعد الحساء كافيًا. تحكي اعتدال كيف لجأت العائلة إلى تحميص العدس وطحنه، ثم خلطه بما تيسّر من دقيق لصنع خبزٍ يُخبز على الصاج.

تضيف: "ذلك الخبز لا يشبه المصنوع من الطحين، لكن الحاجة إلى إسكات البطون الخاوية فرضت نفسها تحت سياسة التجويع"، مؤكدةً أن للعدس وقفةً لن تُنسى ما دام الغزّيون أحياء، حتى لو ملّوا طعمه وتغيّر مذاقه، فقد حضر حين غاب الطعام كلّه.

حكاية العدس في غزة لا تُروى بصوتٍ واحد، بل تقودها عائلاتٌ تحاول الموازنة بين الجوع ومسؤولية الإعالة.

أحمد الغولة، أبٌ لثلاثة أطفال، يقف أمام كيس عدس صغير كأنه يضع خطة أسبوعٍ كامل. يقول: "العدس لم يعد خيارًا، بل مادة أساسية يُحسب لها حساب قبل أي شيء آخر".

ومع كل تدهور في الأخبار وتوقّع لانهيار الهدنة، يسارعون إلى تخزينه لأنه الأطول عمرًا والأقل ثمنًا.

يشرح كيف تحوّل العدس في بيته إلى أكثر من طبق، تبعًا لما يتوفّر في ذلك اليوم؛ أحيانًا مجدّرة، وأحيانًا حساء، وفي أيام أخرى، تطحن زوجته العدس بعد سلقه وتجفيفه، وتشكلّه أقراصًا صغيرة تُقلى بقليل من الزيت إن توفّر، ويسمّيها أطفاله "كفتة عدس".

وحتى الاسم، كما يقول، يُحدث فرقًا ويمنحهم إحساسًا بأنهم تناولوا شيئًا جديدًا.

بالنسبة له، لم يكن العدس حلًا غذائيًا فحسب، بل سندًا اقتصاديًا في زمن المجاعة؛ كيسٌ واحد قد يُطعم العائلة أسبوعًا، يوفّر البروتين، ويمنح الشبع، ولا يفسد سريعًا.

في طرفٍ آخر من الحكاية، يقف الجيل الأصغر، الذي لم يعرف العدس كطبقٍ تقليدي، بل كطعمٍ يوميّ للحرب. سلمى، ذات الخمسة عشر عامًا، نزحت مع عائلتها أكثر من مرة، وتقول: "العدس صار جزءًا من تفاصيل حياتي اليومية. قبل الحرب، كنتُ أميل إلى الوجبات السريعة، أما اليوم، فالعدس هو الأكثر حضورًا، خصوصًا في محطات النزوح، لسهولة حمله وتخزينه".

تتحدث الفتاة عن محاولاتها مع والدتها لكسر رتابة الوجبة الواحدة؛ يصنعنه شوربة، أو يهرسنه ويفردنه كالعجين ويخبزنه على الصاج، وأحيانًا يحاولن تحويله إلى فطائر صغيرة أو خبز.

تضيف: "المحاولات لا تنجح دائمًا، لكننا نحاول". بالنسبة لسلمى، يحمل العدس معنىً يتجاوز الجوع. كبُرت على طعمه، وصار بطعم أيامها تحت الإبادة. ترى أن العالم قد يراه أكلة بسيطة، لكنه بالنسبة لهم حياة؛ طعام المجاعة وطعام الصمود في آنٍ واحد.

لم يكن العدس لدى الغزيين مجرد طبق، بل تجربة تعلّم فيها الكبار كيف يمدّدون الوجبة، ويحافظون على حياة أبنائهم بأبسط الإمكانات. ومن هنا، تمتدّ حكايته عبر أجيال ما قبل الإبادة وخلالها، حيث يواصل الجيل الأوسط والأصغر إعادة اختراع هذه الحبة الصغيرة، كلٌّ بطريقته، في محاولةٍ جماعية للنجاة.

كاريكاتـــــير