شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 11 فبراير 2026م10:16 بتوقيت القدس

شهاداتٌ لعائدين تعكس واقعًا بالغ القسوة..

اختبارٌ لـ"الانتماء" على أبواب غزّة.. كُلفة العودة باهظة

10 فبراير 2026 - 09:17

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن عودة العالقين من قطاع غزة، عبر معبر رفح، مجرد رحلة عبور جغرافي، بل مسارًا طويلًا من الانتظار والتحقيق والتجريد من الممتلكات، ومسافةً ممتدة من الخوف قبل الوصول إلى وطن أنهكه الدمار، لكنه ما يزال يحمل المعنى الأعمق للحياة في نظر أبنائه.

عادوا محمّلين بحكايات متشابهة في القهر، مختلفة في التفاصيل، لكنهم التقوا عند قناعةٍ واحدة: لا وطن بديل عن غزة، مهما بلغت قسوة الطريق المؤدي إليها.

بدأت رحلة العودة منذ ساعات الفجر الأولى، حين وجد العائدون أنفسهم في انتظارٍ طال، وفي بعض الحالات تجاوز أربعًا وعشرين ساعة متواصلة.

بدأت رحلة العودة منذ ساعات الفجر الأولى، حين وجد العائدون أنفسهم في انتظارٍ طال، وفي بعض الحالات تجاوز أربعًا وعشرين ساعة متواصلة.

تنقّلوا بين الجانب المصري، ثم الأوروبي، وصولًا إلى الجانب الإسرائيلي، وسط تفتيش متكرر، ومقابلات أمنية، وإجراءات استنزفت أجسادهم وأثقلت أرواحهم.

تقول حنان البدرساوي، إحدى العائدات ضمن الدفعة الخامسة: "ربطوا أيدينا وعصبوا أعيننا، وحققوا معنا في ظروف قاسية"، لكنها تؤكد أن كل ذلك لم يكن سببًا للتراجع.

ترى أن تراب غزة يساوي الدنيا وما فيها، وأن لحظة عودتها إلى عائلتها، واحتضان زوجها وأطفالها، كانت كافية لمحو مرارة الطريق، ولو مؤقتًا.

أما لمياء ربيع، التي عادت إلى غزة بعد رحلة علاج طويلة في مصر انتهت بوفاة زوجها المصاب بالسرطان، فتستعيد ساعات مرورٍ شاقة امتدت من الثانية فجرًا حتى ظهر اليوم التالي، "رغم أن عدد العائدين كان محدودًا".

تتحدث عن انتظارٍ طويل، قبل أن يُفتح المعبر لعبورهم، ليبدأ تفتيش جديد على الجانب الفلسطيني تحت رقابة أوروبية.
تقول: "إن المصادرة طالت كل ما هو سائل؛ من العطور والمعقمات والكريمات، وصولًا إلى أجهزة الشحن المتنقلة"، قبل أن يُنقلوا بحافلة إلى الجانب الإسرائيلي، حيث بدأت رحلة تفتيش أخرى أكثر تعقيدًا وقسوة.

بحسب شهادات العائدين، لم تتوقف المعاناة عند حدود التفتيش والمصادرة، بل امتدت إلى أجواء تخويف وترهيب ممنهجة من قبل جنود الاحتلال. اقتيد بعضهم إلى غرف جانبية لساعات طويلة، فيما أشار آخرون إلى وجود مجموعات مسلحة تعمل بالتنسيق مع الاحتلال على الحواجز.

ويؤكد وئام فارس، أحد العائدين ضمن الدفعة السادسة، أن هذه الإجراءات تهدف إلى ردع العالقين عن العودة.

ويدعو كل من لا يزال خارج غزة إلى التسجيل والعودة في أسرع وقت، عادًا أن ما يُتداول من تعقيدات وإجراءات ليس سوى رسالة واضحة هدفها الترهيب، والضغط بعدم العودة.

ويضيف: "العودة إلى غزة بعد ما حدث معنا، أضحت واجبًا، لأنها الوطن، ولأنها قدّمت عشرات آلاف الشهداء، وهي أولى بأبنائها"، مسترسلًا بقوله: "العودة إليها رسالة تحدٍّ وحب وانتماء".

وتلخص شهادة الخمسينية هدى أبو عابد، التي عادت إلى غزة بعد رحلة علاج استمرت عامًا كاملًا، معاناة شريحة واسعة من المرضى وكبار السن.

تخبرنا أنها انتظرت منذ الصباح حتى ما قبل المغرب على الجانب المصري، قبل أن يُسمح لها ولمن كانوا معها بالدخول.
وتتحدث بحسرة عن مصادرة الأدوية، وألعاب الأطفال، والهواتف، والشواحن، "حتى إنهم حاولوا مصادرة هاتفي الشخصي" تقول بحرقة.

وتشير إلى إنها دخلت غزة بإذن من الاحتلال، رغم أنها المواطنة التي عاشت في غزة ستةً وخمسين عامًا، هي سنوات عمرها كلها.

بعد انتهاء إجراءات الجانب الأوروبي، أُجبر العائدون على مغادرة المكان، ثم نُقلوا بحافلات خلال ساعات الليل إلى مناطق غير واضحة المعالم.

وجد بعضهم نفسه محاطًا بمسلحين، قبل أن يُسلَّموا لجيش الاحتلال ويخضعوا لتحقيقات قاسية امتدت لساعات طويلة.

تؤكد هدى أن المحققين حاولوا الضغط عليها لنقل رسالة تدعو سكان غزة إلى المغادرة، لكنها رفضت ذلك بوضوح، قائلة: "نحن باقون في أرضنا، ولا وطن لنا سواها".

وتؤكد هدى أن المحققين حاولوا الضغط عليها لنقل رسالة تدعو سكان غزة إلى المغادرة، لكنها رفضت ذلك بوضوح، قائلة: "نحن باقون في أرضنا، ولا وطن لنا سواها".

رغم الدمار، ومدّ الخيام، وغياب أبسط مقومات الحياة، تصف أبو عابد لحظة دخولها غزة بأنها اللحظة الأكثر راحة.
وتعكس هذه الشهادات واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة يعيشه الفلسطينيون في طريق عودتهم إلى وطنهم، حيث يتحول الطريق إلى أداة ضغط، ويغدو الانتظار شكلًا من أشكال العقاب.

ومع ذلك، "تبقى غزة، في نظر أبنائها، المكان الوحيد الذي يستحق أن يُعاش فيه الألم، لأن فيه العائلة، والذاكرة، والهوية" تختم السيدة بنبرة عنفوان.

كاريكاتـــــير