شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 11 فبراير 2026م10:16 بتوقيت القدس

يقدمها سجّانون ويدّعون أنها مُسّكنات للألم

أسرى.. هلاوس ونوبات بكاء بعد عقاقير مجهولة المصدر

11 فبراير 2026 - 07:42

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في الزنازين الضيقة، حيث تختلط رائحةُ الرطوبة بالصدأ، ويُقاس الزمن بعدد مرات التفتيش لا بحركة الشمس، يواجه الأسرى الفلسطينيون شكلًا خفيًا وخطِرًا من الانتهاكات، يتمثل في إجبارهم على تناول أدويةٍ مجهولة المصدر، تُقدَّم لهم على أنها "علاجٌ" أو "مسكنات"، لكنها تترك آثارًا مدمرة على أجسادهم ووعيهم، وسط غيابٍ تام لأي إشراف طبي مستقل.

الأسير المحرر أحمد أبو راس، الذي أمضى أربعة عشر شهرًا متنقلًا بين عدة سجون إسرائيلية، يستعيد تلك اللحظات وقد بدا كأن ذاكرته ما زالت عالقةً داخل الزنزانة. يقول: "كان السجانون يمرون على الغرف حاملين علبَ حبوب بلا شروحات، يجبرون الأسرى على ابتلاعها؛ بحجة تخفيف الألم أو علاج الصداع".

ويضيف أبو راس لـ"شبكة نوى": "بعد ساعاتٍ فقط، ينقلب الهدوء إلى فوضى داخل الغرفة"، إذ تبدأ الأعراض تدريجًا بالظهور، أبرزها توترٌ غير مبرر، عصبيةٌ مفرطة، نظرات شاردة، ثم خوفٌ حاد دون سببٍ واضح.

وبعض الأسرى، تبعاً لأبو راس، يفقدون قدرتهم على التفاعل مع من حولهم، وآخرون يدخلون في نوبات بكاء أو صراخ مفاجئ، ويخبرنا أنه يحزن كثيراً كلما تذّكر الأسيرين "ر، ن" و "أ، ا" اللَّذيْن كانا من أكثر الحالات إيلامًا، حيث فقدا اتزانهما العقلي داخل السجن، بعد إجبارهما على تناول تلك الحبوب.

"نسي بعض الأسرى أسماءَ زملائهم أو تفاصيل أيامهم، بينما عانى آخرون من أرقٍ حاد وكوابيس متكررة، جعلتهم يقضون ليلتين متتاليتين دون نوم".

ويشير إلى أن فقدان الذاكرة كان من أخطر الأعراض، إذ نسي بعض الأسرى أسماءَ زملائهم أو تفاصيل أيامهم، بينما عانى آخرون من أرقٍ حاد وكوابيس متكررة، جعلتهم يقضون ليلتين متتاليتين دون نوم، في زنازين تفتقر لأبسط مقومات الراحة.

الحبوب التي كان يقدمها السجانون تحمل اسم شركة "تيفا" الإسرائيلية، وهم يؤكدون أنها مجرد مسكنات عادية، "لكن بعد ساعات، تبدأ المشاهد المرعبة: صراخٌ حاد، نوبات صرع، فقدان وعي، وأحيانًا انهيارٌ عصبي كامل"، حسبما يفيد أبو راس.

"أُجبر الأسرى أيضاً على تناول حبوب مخدرة مثل "أريكا" و"روتانا"، بزعم علاج آلام التعذيب أو الصداع (..) كانت تؤدي إلى تخديرٍ شبه كامل، وشللٍ مؤقت".

ويؤكد أن عددًا من الأسرى "فقدوا عقولهم تمامًا"، وفق وصفه، جراء تناول هذه الأدوية. ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، إذ أُجبر الأسرى أيضاً- حسب كلامه- على تناول حبوب مخدرة مثل "أريكا" و"روتانا"، بزعم علاج آلام التعذيب أو الصداع، بينما كانت في الواقع تؤدي إلى تخديرٍ شبه كامل، وشللٍ مؤقت في الحركة والتركيز.

وعند تفشي مرض الجرب (السكابيوس) في سجن "النقب"، يتذكر أبو راس، كيف أُجبر الأسرى على تناول كبسولةٍ صفراء كبيرة الحجم.

"ابتلعناها دون نقاش" يقول، مردفاً حديثه: "لكن المرض لم يختفِ، بل بقينا بلا نوم ليومين كاملين". وبعد الإفراج عنهم، أكد أطباء مدنيون أن تلك الكبسولة ليست علاجًا للجرب، ولا يمكن تحديد ماهيتها، ما عزَّز الشكوك حول استخدامها لأغراضٍ غير علاجية.

أجساد تحتفظ ببقايا السجن

لا يزال الأسير المحرر أحمد الجماصي، الذي أمضى عامين في سجون الاحتلال، يحمل آثار تلك التجربة في جسده، ومنها، تشنجات عصبية مفاجئة، وآلام حادة في الرأس، وحالة عصبية مستمرة، يصفها بأنها "بقايا السجن".

ويقول لـ"نوى" إن السجانين أجبروا الأسرى على تناول حبوب بحجة علاج آثار التعذيب ومرض الجرب، لكنها تركت آثارًا طويلة الأمد.

وقد بدأ الجماصي رحلة علاج شاقة بعد تحرره في 13 أكتوبر 2025، متنقلًا بين عيادات وأطباء، الذين أجمعوا على أن الأعراض تتوافق مع تأثيرات أدويةٍ قوية وغير معروفة.

يضيف: "هذه الحبوب كانت تُعطى في التحقيق، لإضعاف الأسرى وانتزاع اعترافات منهم، والغريب أنه بعد تناولها، تصبح بلا قوة، لا تشعر بالألم، ولا تستطيع التفكير".

بدوره، يروي الأسير المحرر مصعب مدوخ، الذي اُعتقل في مارس 2024 وتنّقل بين سجون "سديه تيمان" و "عوفر" و "النقب"، كيف تحوّل ألمه الجسدي إلى معاناة مضاعفة.

كان يعاني مدوخ آلاماً شديدة في ساقه اليمنى بسبب عملية جراحية سابقة، لكن بدلاً من علاجه، أُجبر على تناول حبوب كُتب عليها "تيفا". ويصف مدوخ تأثير تلك الحبوب بقوله: "من يتناولها ينام قرابة 12 ساعة متواصلة، يستيقظ مرهقًا، بجسدٍ هزيل، وعقلٍ مثقل".

ويؤكد كلام السابقين، أن بعض الأسرى أُجبروا على تناول حبوب "روتانا" و"أريكا" و"كبتاجون"، وأخرى تسبّبت بـ"هلاوس حادة"، وفقدانٍ مؤقت أو كاملٍ للذاكرة، ما جعلهم عاجزين عن الحركة أو حتى الكلام.

حقول للتجارب الدوائية

ويرى جمال فروانة رئيس منظمة أنصار الأسرى، أن ما يحدث داخل السجون الإسرائيلية ليس حالاتٍ فردية، بل سياسةً قديمةً متجددة عنوانها "الإهمال الطبي" و"التجارب الدوائية".

ويقول فروانة لـ "نوى" إن الاحتلال يستخدم أجساد الأسرى حقولاً للتجارب الطبية، بإجبارهم على تناول أدويةٍ مجهولة المصدر، دون تشخيص أو رقابة مستقلة. مُندّداً بهذه السياسات التي أدت إلى مضاعفات خطِرة، وأمراض مزمنة، واستشهاد عددٍ من الأسرى. كما طالب بتدخل دولي عاجل لوقف هذه الانتهاكات، التي ترقى إلى جرائم حرب، وتشمل القتل البطيء والإخفاء القسري.

فروانة: "الاحتلال يستخدم أجساد الأسرى حقولاً للتجارب الطبية، بإجبارهم على تناول أدويةٍ مجهولة المصدر، دون تشخيص أو رقابة مستقلة".

وفي السياق ذاته، أعلن مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ السابع من أكتوبر 2023 بلغ 87 شهيدًا، بسبب التعذيب والإهمال الطبي، فيما ارتفع العدد الإجمالي منذ عام 1967 إلى 324 شهيدًا.

وأمام هذا الواقع، تبقى الزنازين شاهدةً على صمتٍ دولي ثقيل، بينما يواصل الأسرى معركتهم الصامتة، لا ضد القضبان وحدها، بل ضد "حبوبٍ بلا اسم"، تسلب الجسد عافيته، وتحاول كسر الوعي خلف الجدران.

كاريكاتـــــير