غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن إلهام جاسر، صاحبة العيون العسلية، تتوقع أن فرحة العمر سيحين موعدها في أتون حربٍ إسرائيلية امتدت عذاباتها عامين، إذ عُقد قرانها بمكالمة هاتفية في شهر سبتمبر/ أيلول لعام 2024م، وقد تمت الإجراءات بصعوبة بالغة، لكون خطيبها "ساهر" مغترباً في بلجيكا، وكان عليه أن يختار وكيلًا عنه في شمال غزة، لـ"يُكتب الكتاب" في مكتبةٍ قصفها الاحتلال.
وصل صوت الفتاة متقطعًا، عبر الهاتف، الذي يجلس على الطرف الآخر منه شابٌ انتظر طويلاً هذه اللحظة، لتجيب عن سؤال القاضي: "هل ترضين بساهر زوجاً"، فقالت: "نعم" بصوتٍ حَيي؛ وفي الوقت ذاته يرتجف على وقع الغارات التي تٌشن في محيط نزوحها، حيث الأرض ترتجف تحت الأقدام، لكن القصة ليست هنا، وإنما تكمن في تفاصيلٍ تتعقد ولا تسير كما يخطط العروسان.
"بدأ خطيبي بتقديم أوراق "لمّ الشّمل" في بلجيكا. كنا نترقب أيَّ خبرٍ للإجلاء، لكن بعد عام وأربعة شهور من خِطبتنا، رُفض ملفنا ودون إبداء الأسباب".
تحاول إلهام مقاومة الدمع كي لا تذرفه مُقلتاها، وتسبق التنهيدة حديثّها لـ"نوى": "بدأ خطيبي بتقديم أوراق "لمّ الشّمل" في بلجيكا. كنا ننتظر الموافقة في كل خطوة وعلى أحر من الجمر، ونترقب أيَّ خبرٍ للإجلاء أو فتح المعابر الحدودية، لكن بعد عام وأربعة شهور من خطِبتنا، رُفض ملفنا ودون إبداء الأسباب".
بين الحيرة والانتظار وفضول الآخرين
إلهام، ليست وحدها التي تعيش هذه المعاناة. هناك مخطوباتٌ عديداتٌ مثلها لشباب يقيمون خارج قطاع غزة. إذ لا يُقاس ألمهن بمدة الخطوبة فحسب، بل بعدد المرات التي يُرغمن فيها على تأجيل فرحهن. وبتعبير أدقّ؛ حياتهن تصبح كلها مؤجلةً في ظرف كهذا، لا سيّما بعد أن انقطعت بهن السبل جراء إغلاق معبر رفح الذي أُعيد فتحه مطلع فبراير الجاري، وثمة عواملَ أخرى. ولا حيلة أمام من تريد أن تستمر، سوى مواصلة انتظار فارس أحلامها، والدعاء "أن يجمع الله الشتيتين".
لم يتوقف خطيب إلهام عن المحاولة للخروج من "عنق الزجاجة"، تضيف: "قدّمنا أوراقنا مرةً أخرى، وها نحن ننتظر قبول "لمّ الشّمل". وحتى بعد فتح معبر رفح، لن أتمكن من السفر لإتمام الزواج، إلا بعد موافقة السلطات البلجيكية على الملف".
"ينقطع أحياناً الإرسال بالأيام، فلا نستطيع التواصل مع بعضنا كما يجب، ما يُسبّب لكلينا قلقاً وضغطاً نفسياً وخوفاً من المجهول".
وتذوب كلمات الشابة الثلاثينية قهراً في أثناء حديثها: "ينقطع أحياناً الإرسال بالأيام، فلا نستطيع التواصل مع بعضنا كما يجب، ما يُسبّب لكلينا قلقاً وضغطاً نفسياً وخوفاً من المجهول، بسبب البعد الجغرافي، إذ لا يفتئ الاحتلال يتلاعب بمصائرنا ويحرمنا أبسط حقوقنا".
ترتسم ابتسامة غائمة على وجهها، وتخبرنا بقولها:" يحاول خطيبي أن يخفّف عني ما أعانيه في واقعنا الصعب، جراء مستتبعات الحرب التي انعكست على حالتي النفسية وحياة عائلتي، بعد ارتقاء والدي رحمه الله، وتدمير بيتنا ونزوحنا القائم حتى اللحظة، منتهزاً كل فرصة ليفاجئني بأجمل الهدايا في كل مناسبة تمر، من أجل أن أكون سعيدةً".
خاتم الخطوبة وتطبيق "وتساب"، هما ما يربطان ريما محمود بخطيبها أنور، المقيم في بريطانيا منذ عشر سنوات. تنظر إلى خاتمها الذي يزين بنصر يدها اليمنى، وتحكي لـ"نوى": "تمت خطِبتنا قبل حرب الإبادة، أعيش حياةً معلّقة بين هنا وهناك، بلا تخطيط أو استقرار نفسي. لولا "وتساب" ما كنا نستطيع التواصل بين وقت وآخر. لا أنكر خوفي من أن يستمر المعبر بهذا الوضع المؤسف، وينتهي بنا المطاف إلى الانفصال".
تقاطع الحديث والدة ريما، بدعاءٍ يلهج به قلبُ أمٍ تخشى على مستقبل ابنتها: "يا رب يفتح المعبر وتسافر لخطيبها. الانتظار يعذبها كثيراً، والناس لا ترحمنا من أسئلتها التي تدور حول "كيف ومتى ستسافر؟". والأقسى من ذلك، أنهم يلقون باللائمة علينا للموافقة على تزويجها خارج غزة، كل ما أردناه لابنتنا مستقبلاً أفضل من الحياة في غزة".
وبابتسامةٍ شاحبة، تشرح الفتاة التي لم تتجاوز ثلاثة وعشرين عاماً، كلام أمها: "لا أحد يقصد الأذى أو الإهانة، بعضٌ من الناس كلامهم يُراد به القسوة، وهناك من ينصحني بالصبر الجميل، وآخرون يلمحون إلى أن الانتظار يضيع عمري".
وبناءً عليه، تعيش ريما بين خيارين، إما الاستمرار في انتظارٍ لا نهاية له، أو اتخاذ قرارٍ بالانفصال قد تكون له تبِعاتٌ اجتماعية ونفسية على حياتها.
أهمية الاحتواء والتفهم الاجتماعي
سألنا سجود المدهون المختصة الاجتماعية والنفسية، عن وضع المخطوبات في قطاع غزة، ممن اخترنَ أن يكملن مشوار العمر مع شباب يقيمون خارجه، حيث يبدو المشهد ضبابياً جراء استمرار الحصار، والعدد المحدود الذي يسمح له الاحتلال بالخروج من معبر رفح.
"لا نتحدث هنا عن تأجيل زفاف لوضعٍ طارئ، بل تأجيل حياة كاملة"، تستهل المدهون حديثها لـ"نوى"، مبينةً: "لا شك أن هذه الأجواء والظروف تجعل الضغط النفسي مضاعفاً على الفتيات، اللاتي عانين من الحرب الإسرائيلية، إضافة إلى إغلاق المعابر واستمرار الحصار، كل ذلك يسلب مرحلة الخطوبة ما تحمله عادةً من أملٍ واستعدادٍ مبهج للمستقبل، لتتحول هذه المرحلة عند كثيرٍ منهن إلى مساحة قلقٍ مفتوحة".
"سنلاحظ على المخطوبة قلقاً مزمناً، وتوتراً، واضطرابات في النوم، ناهيك عن التفكير المفرط، والشعور بالذنب أو اللوم الذاتي الناجم عن الضغط الاجتماعي".
آثارٌ عدة للبعد الجغرافي، الذي ينعكس نفسياً على المخطوبة في هذه الحالة، حسب رأيها. وتوضح: "غالباً سنلاحظ عليها قلقاً مزمناً، وتوتراً، واضطرابات في النوم، ناهيك عن التفكير المفرط، والشعور بالذنب أو اللوم الذاتي الناجم عن الضغط الاجتماعي من العائلة والمحيط، والخوف من نظرة المجتمع كلما طالت فترة الخِطبة".
وترى المختصة الاجتماعية أن إغلاق معبر رفح لفترة طويلة، الذي فُتح أخيراً لعددٍ محدود عطَّل "لمّ الشّمل"، وأجّل حفلات الزفاف، وترك مصير العلاقات معلّقًا بقرارات خارجة عن إرادتهن.
"أن تكون عالقةً بهذا الشكل، وضعٌ سيولّد لديها شعورًا بالعجز، وانعدامَ اليقين والشعور بالأمان، والخوف من ضياع العمر أو فشل الارتباط".
"بماذا تشعر الفتاة التي تمر بهذه التجربة؟"، تجيبني: "أن تكون عالقةً بهذا الشكل، وضعٌ سيولّد لديها شعورًا بالعجز، وانعدامَ اليقين والشعور بالأمان، والخوف من ضياع العمر أو فشل الارتباط، وكذلك غياب القدرة على التخطيط للمستقبل، وإجاباتٍ مبهمة حول "متى الزواج وأين وكيف"، والنتيجة إنهاك نفسي يزداد كلما وردت أخبار لا تحمل بارقة أمل".
وتؤكد في ختام حديثها، أن المخطوبة في غزة لا تحتاج إلى فتح المعابر فحسب، بل إلى احتواءٍ نفسي وتفهّمٍ اجتماعي، ومساحةٍ آمنة للتعبير عن مشاعرها، دون حكمٍ، أو ضغطٍ من العائلة والمجتمع والظروف المحيطة.
























