غزة:
وسط ضجيج الآلات الميكانيكية وصوت العاملين الذي يتردد كدويّ النحل، يجلس الشاب مؤنس محمد (27 عامًا) خلف ماكينة حياكة منهمكًا في حبك لباس الفتيات "الجلباب" لإخراجه وفق التصميم المطلوب للذوق العام في قطاع غزة.
مؤنس هو خريج جامعي، لم يحظَ بفرصة عمل تناسب شهادته، فلجأ للعمل في مصنع الحياكة مقابل أجر يومي (30 شيكلًا) بالكاد يسدّ حاجته، لكنه مضطرٌ للعمل هروبًا من فخ البطالة، خاصة في ظل نهوض مصانع الحياكة في قطاع غزة، ما جعلها تستوعب عمالة جديدة.
يبدو التعب على مؤنس وهو يأخذ نفسًا عميقًا ويحكي لـ"نوى": "أحاول العمل لساعاتٍ متأخرة، فصاحب المصنع يمكن أن يزيدني خمسة شواكل تحسّن دخلي على مدار شهر، وهذا يساهم في تسديد ديون زواجي، وبعض مصاريف البيت وإيجار الشقة".
يرسم ابتسامة حزن وهو يتابع: "ماذا أفعل؟ أضعت من عمري سنوات أنتظر دوري في طابور الخريجين للحصول على وظيفة دون جدوى، وحتى يصلني الدور يكون قد انتهى العُمر".
يشجع مؤنس أقرانه على إتقان مهنة يدوية تضمن لهم حياة كريمة إلى جانب شهادتهم الجامعية، فهي طوق نجاة في ظل تنامي ظاهرة البطالة، وهو ذاته حصل على تدريب فن الخياطة في مركز مهني.
وتؤكد بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني التي أصدرها بمناسبة يوم العمال العالمي في الخامس من أيار، أن عدد المتعطلين عن العمل في فلسطين زاد على 360 ألف شخصٍ، وارتفعت نسبة البطالة بين الشباب إلى 70%.
ويضم المصنع الذي يعمل فيه مؤنس 100 عامل يتوزعون بين القص والحياكة وتنظيف القطع والتغليف والتعبئة، إلى جانب المصممين؛ لإنتاج المزيد من القطع بمواصفات وأسعار منافِسة.

وتعج الأسواق المحلية في قطاع غزة، بالمنتج المحلي من ملابس الزي الشرعي، وملابس المناسبات، والزي المدرسي، بسبب عودة الكثير من المصانع للعمل بعد تعرّض عدد منها للإغلاق وتسريح عمالها في الفترة الماضية بسبب العدوانات المتكررة على القطاع، وأزمة جائحة كورونا، وفرض ضرائب حكومية على المنتجات المستوردة ذات البديل الوطني.
ويرى علاء أحمد وهو صاحب مصنع حياكة، أن الشهور الأخيرة شهدت تزايد الإقبال على إنتاجية حياكة قطع الملابس، خاصة من الجينز وفساتين الفتيات، بالتالي احتاج للمزيد من الأيدي العاملة.
يتابع: "نستورد المواد الخام من الخارج ونحيكها وفق الذوق العام هنا، فينتج العمال القطع على مراحل وبجودة عالية تجلب ثقة الزبائن، ومن المتوقع أن نشهد الفترة المقبلة تحسنًا في الإنتاج كوننا مقبلون على فصل الصيف الذي تكثر فيه المناسبات".
"الصورة النمطية عن المنتج المحلي بدأت تختفي لدى الزبائن في القطاع، تدريجيًا يلمس الناس جودة تضاهي المستورد وبثمن مناسب ينخفض عنه، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة في القطاع"، يقول علاء الذي تعرّض مصنعه سابقًا للقصف الإسرائيلي، لكنه تدريجيًا عاد للعمل على إنتاج الكمامات أثناء جائحة كورنا.

وتفيد وزارة الاقتصاد الوطني أن الطاقة الإنتاجية الشهرية لمصانع الجينز في قطاع غزة قبل فرض ضريبة الحماية وصلت إلى 172 ألف بنطلون، يتوقع أن تتضاعف إلى 344 ألفًا، كما تنتج مصانع الزي الشرعي (الجلباب والعباية) 66 ألف قطعة شهريًا، من المتوقع أن تزيد إلى 132 ألفًا.
بدوره يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن قطاع صناعة وحياكة الملابس في غزة يمثل تجربة ناجحة اقتصاديًا خاصة في ظل زيادة الإنتاجية، إذ بلغ عدد مصانع الجينز العاملة 14 مصنعًا، يعمل فيها نحو 716 فنيًا وعاملًا، بينما مصانع الزي الشرعي 21 مصنعًا، يعمل فيها 860 فنيًا وعاملًا، والزي المدرسي 10 مصانع تشغّل نحو 638 فنيًا وعاملًا.
وأشار أبو قمر إلى أن فرض "التعلية الجمركية" على السلع التي لها بديل في القطاع رغم أنه قرار لم يطبق بعد إلا أنه مطلوب ولكن ليس في كل الحالات، موضحًا: "فيما يتعلق بالأنسجة والملبوسات فالأمر مجدٍ اقتصاديًا كونه ساهم في إحلال الواردات، وزاد الإنتاجية وشغّل أيدٍ عاملة، ووفر فرص عمل جيدة لعدد من المتعطلين عن العمل، وساهم في ارتفاع متوسط الأجور وإدخال عملة أجنبية بدل إدخالها من خلال المنح الإغاثية".
لكن حسب أبو قمر، هناك تحديات تقف أمام عمل المصانع تتمثل في عدم الانتظام في استيراد المواد الخام، الأمر الذي قد يؤدي إلى وقف عمل المصانع في أية لحظة، حال أغلق الاحتلال الإسرائيلي المعابر وأوقف الاستيراد، فالضرائب على المواد الخام تزيد العبء على المصانع.
يضيف: "إن من يريد دعم المنتج المحلي يفترض أن يمتنع عن فرض الضرائب على المواد الخام لتشجيع الاستثمار في المشاريع المنتجة، وليس الاستهلاك مثل المولات التي تنتشر بكثرة في القطاع".
























