شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 20 ابريل 2026م17:06 بتوقيت القدس

"دار الحلو".. ثماني بنات وطريق واحد إلى الطب

20 ابريل 2026 - 07:05
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

قطاع غزة:

كان الحذاء المهترئ الذي يخرج به الأب إلى عمله كافيًا ليشرح قصّة "دار الحلو" وهو اسم العائلة بالمناسبة، حيث تُدفع تكاليف أحلامه، وأحلام بناته الطبيبات، في منزل ازدحمت فيه أسماء الأمراض وأنواعها ومحاولات تشخيصها، بتفاصيل الحياة اليومية.

البداية كانت مع آلاء (32 عامًا)، حين فتحت نتيجتها العالية بابًا بقي مشرعًا لشقيقاتها من بعدها، وهنا لم يكن قرارها فرديًا طويلًا؛ سرعان ما صار مسارًا عائليًا كاملًا.

إيناس (30 عامًا) اتجهت إلى طب الأطفال، وبسمة (29 عامًا) اختارت طب الأسرة، فيما هلا (28 عامًا) ذهبت إلى الباطنة، ونور (25 عامًا) في مرحلة الامتياز، وأما حلا (20 عامًا) فما زالت تدرس الطب، وفرح (21 عامًا) اختارت طب الأسنان

تقول الطبيبة الأولى إنها لم تتخيّل أن يتحوّل حلمها إلى حلم جماعي تعيشه الأسرة كلها، بعدما حصلت على معدل 98.7% في الثانوية العامة وطلبت دراسة الطب، ففتحت طريقًا تبعته أخواتها دون تردّد.

توالت الخطوات، فإيناس (30 عامًا) اتجهت إلى طب الأطفال، وبسمة (29 عامًا) اختارت طب الأسرة، فيما هلا (28 عامًا) ذهبت إلى الباطنة، ونور (25 عامًا) في مرحلة الامتياز، وأما حلا (20 عامًا) فما زالت تدرس الطب، وفرح (21 عامًا) اختارت طب الأسنان حين لم يسمح المعدل.

وبالنسبة إلى آمال (34 عامًا)، فدرست التحاليل الطبية، ثم نالت الماجستير وتكمل حاليًا الدكتوراه، في رحلة ثماني أخوات اخترن المسار نفسه تقريبًا، ستٌّ منهن في الطب البشري.

لكن ماذا يكمن خلف هذا الرقم؟ تتحدث آلاء بأنهن كن دائمًا من أوائل الطالبات، وبالتأكيد لم يأتِ الأمر صدفة، بل نتيجة بيئة قائمة على التشجيع والانضباط، بحسب وصفها.

تضيف: "هذه البيئة كان ثمنها تقشفًا طويلًا، سرنا فيه جميعًا بشقّ الأنفس، كل الأولويات كانت للتعليم، خاصة مع وجود أكثر من ثلاثة أبناء يدرسون التخصص نفسه في الوقت ذاته".

وتذكر هنا كيف كان والدها يذهب إلى عمله بحذاءٍ مهترئ، غير قادر على شراء آخر جديد، لأن الأولوية كانت لتعليم أبنائه وبناته.

الأم، سعاد أبو شملة (60 عامًا)، فتخبرنا بأنها لم تستطع تحقيق حلمها بدراسة الطب، إلا أنها حققت جزءًا منه من خلال بناتها

أمّا الأم، سعاد أبو شملة (60 عامًا)، فتخبرنا بأنها لم تستطع تحقيق حلمها بدراسة الطب، إلا أنها حققت جزءًا منه من خلال بناتها، وأن راتبها الذي لم يتجاوز 3000 شيكل (نحو 1000 دولار) لعائلة مكوّنة من ثماني بنات وثلاثة أبناء كان له دور في إنجاح هذه الرحلة، رغم أنها كانت توزّع الأيام بين الرسوم والمواصلات والاحتياجات المؤجلة.

تتابع: "كان كل شيء يُصرف على تعليمهن، وحين أذهب لطلب بعض التسهيلات، يُقال لي: إذا لا تملكين المال، لماذا تُدرسين كل هؤلاء البنات الطب؟ لكنني مع ذلك أصريت على المواصلة".

ومن اللافت أن الأم سعاد تُعرف بين المقربين بلقب "القاموس"، إذ اعتادت بناتها ومن حولها على مناداتها بذلك، لقدرتها على الشرح والمتابعة وربط ما يتعلمنه بما لم تدرسه هي نفسها، رغم أنها كانت تعمل مسؤولة صحية في مدرستها.

ماذا عن المنافسة بين الشقيقات؟ داخل بيت عائلة الحلو، بحسب الأم، بدا الأمر جميلًا، إذ كنّ يتشاركن الدراسة معًا، فيشرحن لبعضهن، وحتى اليوم بعد أن تزوجن، تكاد لا تخلو الجلسات العائلية من النقاشات الطبية. تقول آلاء: "نتبادل المعرفة، كأننا فريق واحد، كأننا في عيادة واحدة".

في سياق آخر، لم يكن نصيب العائلة من حرب الإبادة هينًا، بعد فقدان أحمد (31 عامًا)، الذي درس الهندسة وأبدع في مجال الإعلام وفق شقيقته، إلا أن حلمه كان مختلفًا: أن يبني لهم مستشفى عائليًا، لكنه استشهد في الحرب.

ومحمد (15 عامًا)، كان يريد دراسة الطب مثل شقيقاته، قبل أن ينتزعه القصف الإسرائيلي هو وأحمد في غارة واحدة، تعقب الأم بحسرة: "رغم أن بناتي درسن الطب، لم يستطعن إنقاذهما، كانت الإصابات بالغة".

تكلفة دراسة كل ابنة -بحسب الأم- تجاوزت 20 ألف دينار أردني، وهو رقم يفوق قدرة العائلة

لم يتوقف الألم هنا، إذ لم تكتفِ الحرب بذلك، بل أوقفت المسار وراكمت الديون على العائلة، نور، إحدى خريجات "فوج العنقاء"، لا تستطيع استلام شهادتها بسبب الرسوم، فيما تكشف الأم أن تكلفة دراسة كل ابنة تجاوزت 20 ألف دينار أردني، وهو رقم يفوق قدرتهم.

ومع ذلك لم يتغير الإيمان: "كنت أريد أن أرى بناتي متعلمات، يعتمدن على أنفسهن، ويفدن المجتمع".

ورغم كل ما انكسر، تختم سعاد: "يكفيني دعاء شخص أنقذته إحدى بناتي". وهنا لا يبدو الطب مهنة فقط، بل طريقة لمقاومة الخسارة في بيت قرر أن يواصل، لأن التراجع لم يكن خيارًا يومًا.

كاريكاتـــــير