قطاع غزة:
باءت كل محاولات الأربعينية "أم حسن" للتخفيف من ألم أسنانها بالطرق التقليدية بالفشل؛ وعلى مضض، توجهت إلى إحدى العيادات القريبة. جلست على كرسي العلاج تلف وجهها بكف يدها، في محاولة يائسة لتسكين الوجع الذي ينهش فكّها منذ أيام.
كانت ملامحها مرهقة، وعيناها تحملان رجاءً صامتًا بأن ينتهي هذا العذاب. وما إن أنهت الطبيبة فحصها وأخبرتها بتكلفة العلاج، حتى تبدّل كل شيء؛ اتسعت عيناها وصمتت مصدومة، قبل أن تنهض ببطء، محاولةً إخفاء خيبتها خلف كلمات مقتضبة، ثم غادرت تجر ألمها وحزنها، مؤجلةً العلاج رغم قسوته، فالتكلفة تفوق قدرتها المادية بمراحل.
هذا المشهد بات يتكرر كثيرًا داخل عيادات الأسنان في قطاع غزة، حيث أصبح المرضى عالقين بين وجعٍ لا يُحتمل، وتكاليف علاج لم تعد تُطاق. وتواجه العيادات تحديات غير مسبوقة تهدد استمراريتها وتثقل كاهل الأطباء والمرضى على حد سواء.
الطبيبة وفاء عدنان: "أكبر تحدٍ هو أن نواصل عملنا ونحافظ على تقديم الخدمة".
تصف طبيبة الأسنان، وفاء عدنان، واقع المراكز الطبية بأنه "سيء جدًا"، مع تصاعد الحديث عن إغلاق عدد منها نتيجة شح المواد الأساسية وارتفاع أسعار المتوفر منها إلى مستويات جنونية.
وتوضح الطبيبة أن أبسط المستلزمات لم تعد في متناول اليد؛ فمادة أخذ القياسات (التي تتكون من ثلاثة مكونات) كانت تكلف سابقًا نحو 120 شيكل، أما اليوم فقد قفز سعر المكوّن الواحد منها فقط إلى 1000 شيكل.

تقول عدنان: "أكبر تحدٍ هو أن نواصل عملنا ونحافظ على تقديم الخدمة"، مشيرة إلى أن ألم الأسنان من أشد الآلام التي قد يمر بها الإنسان، ما يضع الأطباء أمام مسؤولية إنسانية مضاعفة. ولا يتوقف الأمر عند مواد القياس، بل امتد ليشمل مواد تجفيف وحشو قنوات العصب التي أصبحت نادرة وباهظة الثمن دون وجود بدائل حقيقية.
علاج العصب الذي كان يتراوح بين 80 و120 شيكل، ارتفع اليوم إلى نحو 250 شيكل، فيما تضاعفت أسعار تركيبات "البورسلان"
وفي محاولة للتكيف، يلجأ الأطباء إلى حلول مؤقتة، مثل استخدام "الواكس" (الشمع) كبديل لمواد القياس الخاصة بالتركيبات، رغم أنه أقل جودة، لكنها "خيارات اضطرارية" تفرضها الأزمة.
انعكست هذه الأزمة مباشرة على كلفة العلاج؛ فعلاج العصب الذي كان يتراوح بين 80 و120 شيكل، ارتفع اليوم إلى نحو 250 شيكل، فيما تضاعفت أسعار تركيبات "البورسلان".
ومع ذلك، يجد الطبيب نفسه عاجزاً عن رفع الأسعار أكثر أو خفضها، وتضيف عدنان: "توفير المواد بات معركة يومية؛ اليوم قد تتوفر بسعر مرتفع، وغدًا قد تختفي تمامًا".
من جانبه، يوضح الدكتور عبد الله عبدو أن هذه الأزمة دفعت الأطباء لإطلاق حملة إلكترونية للتحذير من التدهور الخطير، نتيجة منع الاحتلال دخول المواد الأساسية منذ أكثر من عامين، وتضرر المستودعات بسبب الحرب.
ويشير عبدو إلى نقص حاد في مادة "الجبس الحراري" المستخدمة في المعامل، ما أجبر العديد منها على إغلاق أبوابه، محذراً من توقف خدمات التركيبات بالكامل خلال شهرين إذا استمر الحال على ما هو عليه.
الطبيبة مرح الأسطل: "شح المخدر الموضعي يدفعنا أحياناً لاستخدام بدائل تُصرف من وزارة الصحة ويتم سحبها عبر محاقن عادية، مما يؤثر على جودة وسلامة الخدمة".
بدورها، تحذر الطبيبة مرح الأسطل من خطر التوقف الكامل للعيادات الخاصة والحكومية. وتروي الأسطل جانباً من المعاناة في مناطق تفتقر للبنية التحتية مثل "المواصي"، حيث تضطر لإغلاق عيادتها في الأيام الماطرة لعدم قدرة أنظمة الطاقة البديلة على تشغيل الأجهزة.
وتضيف الأسطل: "شح المخدر الموضعي يدفعنا أحياناً لاستخدام بدائل تُصرف من وزارة الصحة ويتم سحبها عبر محاقن عادية، مما يؤثر على جودة وسلامة الخدمة".
أمام هذا الانهيار الوشيك، يرفع أطباء الأسنان في قطاع غزة صوتهم مطالبين بتدخل عجل لضمان إدخال المستلزمات الطبية بانتظام وبأسعارها الطبيعية، واعتبار هذا القطاع ضرورة صحية لا تحتمل التسويف، لإنقاذ آلاف المرضى من براثن ألم لا يرحم.
























