شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م14:33 بتوقيت القدس

"نسمع صوتَها في ارتطام كل باب"..

"أوكرانيا" توقظ ذكريات "الحرب".. غزّيون: قلوبنا مقبوضة!

08 مارس 2022 - 13:17

غزة:

تصدحُ مذاييع السيارات العمومية بأصوات الانفجارات. مذيعون، ومذيعات، ومراسلون، ومراسلات يسلمون بعضهم بعضًا روايات الأسى والموت: مجزرةٌ حدثت هنا، وركام برجٍ تهاوى هناك، ومحاولاتٌ لإنقاذ من علقوا تحت أنقاض منزلٍ كان يومًا يضجُّ بضحكات أهله في مكانٍ آخر. "هذا العاديُ في غزة، أما فترات "التهدئة" فهي الاستثناء" تقول ريهام نوفل لـ "نوى".

تغطي السيدة الثلاثينية أذنيها بيديها تفاديًا لسماع أصوات الغارات الوهمية التي كانت تنفذها طائرات الاحتلال في سماء غزة صباحًا، وتكمل: "في كل مرةٍ أسمع فيها صوت غارةٍ وهمية ينقبض قلبي، وأصرخ متساءلة: هل قامت الحرب؟".

نجت ريهام من الحرب، لكنها لم تنجُ من عوالقها السوداء. لم تتمكن السيدة –كما معظم سكان القطاع المحاصر منذ 16 عامًا- من تجاوز الأزمة النفسية التي تسببت بها أصوات القصف ومشاهد الدمار التي رافقت أنّات الثكالى ونحيب المكلومين، وها هي اليوم ترقب مشاعرها ذاتها تتجدد مع مشاهد ينشرها الإعلام لحربٍ بعيدة، لكنها تلمس روحها، بل أرواح كل المتابعين لها هنا.

تعمل ريهام، وهي أم لثلاثة أطفال وربة منزل، كمدرسةٍ للغة العربية لبعض الطلبة في منزلها، كبديلٍ عن وظيفةٍ بحثت عنها طويلًا دون جدوى، "لكن هذا يساعدني في تدبير مصروب أبنائي" تضيف.

وتصف العيش تحت الاحتلال بـ "العيش في مشفى للأمراض العقلية"؛ لكن المفارقة هنا أن لا أحد يُشفى، هو جنونٌ أبدي. تكمل: "الكل يشق طريقه نحو الموت إما بـ "الحرب" تحت الصواريخ التي تفجر المنازل بأصحابها، أو الموت بالخوف من وقوعها"، مردفةً بحرقة: "انتظار الحرب متعب، ومرهقٌ.. بل يقتلنا في كل لحظة".

ومنذ اندلاع حرب روسيا على أوكرانيا، وانتشار مقاطع الفيديو والصور عبر شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، لا تستطيع ريهام نفض رواسب الذاكرة. تقف عند كل مشهدٍ وتتأمل، فتتذكر العدوان الإسرائيلي على غزة.. أصوات الانفجارات المشابهة، التي بمجرد أن يعلو صوتها في هاتفها المحمول حتى يتحلق حوله أطفالها ظنًّا منهم أن عدوانًا جديدًا وقع فوق رؤوسهم، وهنا تجبر على إطفاء الهاتف، ثم الانفجار بالصراخ: "روحوا ناموا، انتوا ليش تجمعتوا حواليا؟" حتى لو كان ذلك في وضح النهار. 

الحالة هذه لا تتعلق بريهام فقط، بل إنها ترتبط بمعظم الفلسطينيين المحاصرين بأسلاك "إسرائيل" الشائكة، التي تمنع تحركهم لأكثر من ٣٦٥ كيلو مترًا. يظنون أنهم يشمون روائح الحرب حتى لو كانت في قارة ثانية، فهم يحفظونها كما يحفظون روائح أمهاتهم، وفقًا لعمر مطر.

ويقول: "أتعجب من الناس التي تقول لا علاقة لنا بما يجري، كيف هذا ونحن نحسب أيام حياتنا بأصابعنا المرتجفة (..) هذه ضمن مسلسل حروب ربما لن ينتهي إلا بتدميرنا".

وأكثر ما يتعب عمر اليوم، تعامل الغرب مع هذه الحرب. "فيليق للأوكراني اللجوء، يليق به الاحتفاء بنجاته، والاحتفاء بمقاومته، لكن عند الفلسطينيين كل ذلك هو إرهاب" يضيف. 

ويزيد: "هذا العالم قاسٍ، حرّض على موتنا منذ نكبتنا حتى انكشف وانكشفت كل خطابات الكراهية الحقيقية لوجهه الزائف، الذي لطالما تغنّى بشعارات تديننا".

تتفق سمر مع عمر. فالفتاة التي لم تتجاوز الـ ١٨ عامًا من عمرها، تدّعي أنها أضحت "خبيرة حرب"، حيث شهدت ٤ منها، وتظن أن الخامسة في الطريق أيضًا!

تخبرنا الشابة أنها تعاني من "هوس اندلاع الحرب" منذ وقوعها في أوكرانيا حرفيًا. ترفض الخروج من المنزل إلا للضرورة، وتتخيل أن غزة اقتربت من واحدة جديدة، "كل ما أرغب فيه، أن أموت في منزلي. فكرة الموت تعايشت معها واستسلمت لها أصلًا، لكنني أحب لو تحققت بين عائلتي لنذهب جميعًا، ونتجاوز آلام الفقد على أحدنا" تعقّب.

 كل انفجار يحدث في غزة، سواءً كان حقيقيًا أم من طائرةٍ تنفذ غارةً وهمية. صوت ارتطام الباب بشكلٍ قوي. صوت شاحنةٍ لم تهدأ سرعتها عند مطبٍ في الشارع. وصوت كل "دبّة" قوية من أي عامل بناء، هو هوسٌ يعيشه أكثر من مليونَي إنسان هنا، فهل يتجاوزون "الحرب" يومًا؟ سؤالٌ برسم الإجابة.

كاريكاتـــــير