بيت لحم - نوى:
حزينةٌ هي بيت لحم. خلَت الشوارع وعم الإضراب. قُتل الطفل محمد شحادة (صلاح) وتغوّل الحزن في قلبَي أمه وأبيه.
هكذا تغدو الحياة في فلسطين، مُرةً "قاتمة الملامح" في كل مرةٍ تغادرها روح طفل، وهكذا يبدو المستقبل في عيون أصدقائه: أحلامٌ تتبدد، وطريقٌ لا نهاية لظُلمته.. على الأغلب، يبدو الموت بعدها "نجاة" من حياةٍ تحت احتلالٍ لا يميّز أين يطلق رصاصه!
موتٌ يُبث على الشاشات. يتعثر به المارون على منشورات أصدقائهم في مواقع التواصل. هذه المرة طفلٌ أتم ربيعه الرابع عشر قبل وقت، فرد جناحيه وغادر نحو السماء.
في التفاصيل، تلقى مركز "حماية" لحقوق الإنسان، معلوماتٍ تفيد بارتكاب جريمة قتل طفل "منظمة، وعن سبق إصرارٍ وترصد" وفقًا لبيانٍ نشره أمس.
وبحسب شهود عيان، فإن قوات الاحتلال تركت الطفل ينزف، ومنعت طاقم إسعاف الهلال الأحمر من الوصول إليه، ثم اعتقلته، واقتادته إلى جهة مجهولة قبل أن تبلغ عن وفاته.
ونبه المركز إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي، أجرى تعديلات على قواعد إطلاق النار، حيث أتاح لجنوده استهداف ملقي الحجارة بالرصاص الحي، "وهذا يشكل حصانة للجنود، ويبيح لهم قتل الفلسطينيين بدم بارد دون أي اعتبار".
رزق شحادة (صلاح) والد الشهيد، يستذكر طفله الذي استيقظ سعيدًا من نومه في اليوم الذي قُتل فيه، أخذ يلعب مع أولاد عمه في منطقة قريبة. "كان مفعماً بالحياة، وهذه الفرصة لا يفوت جنود الاحتلال إعدامها أبدًا" يقول.
ويضيف: "اتهموه بضرب المولوتوف، كيف؟ وابني كان يعاني من آلامٍ بيده جراء سقوطه عليها، لقد أخذتُه إلى المشفى قبل استشهاده بيومٍ واحد".
يردف الرجل الذي حاول حبس دموعه عبثًا: "حتى لو كانت الرواية صحيحة، فليس من السهل أن يمر جيش على جسد طفل ويتعمد قتله بهذه الطريقة المروعة".
لا ينفك الأب عن استقبال المعزين، ويتأمل عيون رفاق طفله، هؤلاء الذين يفتقدون محمدًا وضحكاته التي غيّبها رصاص الموت الإسرائيلي.
يتابع: "ماطل الجنود في تسليم جثمانه النحيل بذريعة المواجهات! هذا أحرق قلبي أكثر"، مردفًا: "وعندما استلمته سألت نفسي: كيف لهذه الجريمة التي تلمع بعيوني كلما فتحتها أن تمر هكذا بشكلٍ عادي؟ كيف لمحمد أن يغيب عن قلبي هكذا؟".
وعبر منصات التواصل، تداول نشطاء مقطعًا يوثق عملية قتل الطفل وتركه ينزف حتى الموت.
تعلق تمارا مطر على المقطع بالقول: "محمد ضحية جديدة لإرهاب الدولة المنظم، وشاهد على التوحش وفائض غطرسة القوة العمياء، وعقيدة القتل مع سبق الإصرار والترصد".
وتزيد: "قنص الأطفال وإعدامهم وهم في أوج الحياة يبحثون عن أحلامهم وينظرون نحو المستقبل إعدامٌ باردٌ لفرحة آبائهم وأمهاتهم الذين رأوهم يكبرون أمام عيونهم لحظةً بلحظة"، معقبةً: "كيف لرصاصةٍ قناصٍ متوحش أن تودي بكل هذا مرةً واحدة؟ كيف لها أن تخطف العمر والروح؟ وأن تورث الفجيعة لقلوب محبيهم".
فيما وصف محمد الحاج الحدث بقوله: "هو إعدام لكل ملامح الطفولة في فلسطين، لا أتخيل كيف سيمر مقطع استشهاده على الأطفال أصدقائه؟ أنا متأكد من أنه سيبقى عالقًا في ذاكرتهم، وسيتوقفون عنده في كل مرة وسيوجعهم البعد وكل هذا الظلم".
وعمّ الاضراب الشامل، محافظة بيت لحم، أمس الأربعاء، حداداً على روح الشهيد.
وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين جريمة إعدام الطفل، عادةً إياها جزءً لا يتجزأ من مسلسل القتل اليومي بحق الفلسطينيين، تحت غطاء وموافقة المستوى السياسي الإسرائيلي، "كما أنها تعبير عن مستوى الانحطاط الأخلاقي لدى جيش الاحتلال".
وشيعت الجماهير الغاضبة في بيت لحم، مساء أمس، جثمان الشهيد الطفل، بعد أن تسلمته عائلته على حاجز "مزموريا" شرق بيت لحم، قبل نقله إلى مستشفى بيت جالا، لينطلق بموكبٍ مهيب إلى بلدة الخضر حيث زُف على أكتاف المواطنين هناك، ووري الثرى في مقبرة الشهداء بالبلدة.
























