شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م21:49 بتوقيت القدس

العالم يحذّر من طفرات قاتلة.. وغزة تُزيل "الكِمامة"!

17 مارس 2021 - 11:51

شبكة نوى | قطاع غزّة:

على قارعة الطريق في أحد أسواق قطاع غزة، تجتمع ثلاثة أكُف في طبق فولٍ واحد! هنا، فطور الباعة لا يحلو إلا جماعةً، أمام مذياع الحاج "أبو أحمد" الذي يصدح بتعليمات وزارة الصحة حول أهمية الالتزام بإجراءات التباعد، وأساليب الوقاية.

تنظرُ أنتَ باستغراب، فيرمقونك بنظرةٍ تستهجن استهجانك! "ماذا عن كورونا؟" تسأل بينك وبين نفسك، لتكتشف بعد بضع خطواتٍ فقط، أنك "اليوم استثناء"، وكمامتك تلك، التي تغطي نصف وجهك تحجبك عن عالمٍ من "التعايش"، أو بالأحرى "الاستخفاف"، لا يختبئ فيه من فكرة الإصابة غيرُك!

"ما هي الحكومة خلّصت كورونا من البلد"، يعلّق رجلٌ استقل لتوه سيارة أجرة، تعقيبًا على سؤال السائق السبعيني له عن "كمامته".

"كيف؟" يسأله الأخير، فيجيبه: "مش شايف الدنيا كيف مفتوحة يا حاج؟ حتى الشرطة بطلت تلبس الكمامة".

قبل عدة أسابيع، أعلنت وزارة الداخلية بغزة، تخفيف إجراءات الإغلاق بعد عدة أشهر من التشديد، ففتحت الجوامع أمام المصلين، والأسواق أيضًا، وبينما كانت عناصر الشرطة تدقق في وجوه المارة، والركّاب لتخالف من لا يرتدي الكِمامة، يفاجئونك اليوم بأنهم أنفسهم –إلا من رحم الله- لم يعودوا يرتدونها أصلًا.

"هل أنا الغريبة؟ أم من لا يلتزمون بإجراءات الوقاية والسلامة؟"، تتساءل أميرة حسنين كلّما خرجت من بيتها مرتديةً كمامتها، أمام جحافل المتكدسين على الأرصفة، أولئك المتلاصقين الذين يتبادلون الضحكات وأطراف الحديث دون أدنى التفاتةٍ لإمكانية "العدوى".

"أووه هذه صارت موضة قديمة، إنتِ لليوم بتحطي كمامة؟ يا عمي خلصت كورونا من البلد بكفي تخنقي حالك"، تحاول الشابة العشرينية عدم الاكتراث لما وصفته بـ "جهل البعض"، واستخفافهم بمرضٍ حصد ملايين الأرواح، وأضرَّ بأوطانٍ كاملة.

أحمد موسى يخبر "نوى" صراحةً: "أنا لست ملتزمًا". يعتقد الشاب أنه أصيب بـ "كورونا" في وقتٍ سابق "ليس بناءً على فحص، بل على معطياتٍ وأعراضٍ خفيفة مرّت به فترةً من الزمن"، وبالتالي فإن جسمه شكّل مناعةً ضد الفايروس وانتهى!

رغم ذلك، يحاول قدر الإمكان، التخفيف من اختلاط عائلته بالمحيطين بهم، يتجنب لمس أي شيء يخص والده –مثلًا- للحفاظ على صحته، فهو مريض، وإصابته يمكن أن تتسبب بتدهورٍ مفاجئ غير مأمون العواقب.

يضيف: "ما دفعنا إلى عدم الاهتمام، هو تراخي الإجراءات الحكومية، الشرطة لا تسأل، السائقين لم يعودوا يكترثون كون الشرطة توقفت عن المساءلة. والجميع لم يعد يهتم"، منبهًا إلى أن التزام أهالي قطاع غزة بإجراءات الوقاية والسلامة غدا "جزئيًا"، وأحيانًا مرتبطًا بدخوله إلى مكانٍ أو محل أو مطعم، يمنع تواجده فيه إلا بكمامة.

قبل قرار التخفيف، وإلغاء إغلاق يومي الجمعة والسبت أسبوعيًا، كان أحمد يشهد "التزامًا حديديًا": هنا سائقٌ يأخذ النقود من راكب فيعقمها قبل أن يدسها في جيبه، وهناك امرأة، تفتح باب السيارة فترش على يديها الكحول خشية نقل العدوى لها ولأطفالها، وعجوزٌ لا يمشي في الشارع إلا بكمامة، "اليوم.. كل هذا صار نادر الحدوث أو الرصد في غزة" يعقب. 

ويرى الشاب أن أهالي القطاع لا يخشون "كورونا"، لأنهم مروا بظروفٍ أصعب بكثير من فكرة انتشار وباء.

يأخذنا إلى مقارنةٍ بسيطة، حول أيام الإغلاق الذي فُرض في غزة لمدة 50 يومًا مرةً واحدة، ويقول: "لم يتجاوز عدد الوفيات خلالها الـ 50 إنسان". تلك المدة هي ذاتها التي فرضت التواجد في البيوت وقت عدوان عام 2014م، وانتهت بفقد نحو 2500 روح كانت تعيش هنا.

"بمعنى أن الإحصائية المرعبة، وطريقة الموت، ومشاهده، لا يمكن أن تُساوي بين عدد الوفيات، ولا بأي حال من الأحوال" يزيد، متابعًا: "عن أي خوف من كورونا نتحدث وهو –عدو الخفي- في حين كانت الصواريخ تتساقط فوق رؤوسنا لا يدري أحدنا متى يحين دور صعوده إلى السماء بفعلها؟".

"لم يعودوا ملتزمين؟! متى التزموا أصلًا؟!" تتساءل الشابة روان جلال، ردًا على سؤالنا لها، حول أسباب تهاون أهالي القطاع اليوم بإجراءات السلامة والوقاية، رغم الحديث عن طفراتٍ جديدة، وموجاتٍ قاسية من الفايروس أطاحت بمنظوماتٍ صحية عالمية.

تقول لـ "نوى": "على سبيل طرح أصغر مثال، بيتنا لم يتوقف عن استقبال الزوار منذ أغسطس الماضي، إلا فترة الإغلاق! ومنهم كثيرون لم يتوقفوا عن المصافحة".

ذلك ما حاولت عائلة الشابة تجاوزه، بمنشواراتٍ تعمّد أبناؤها نشرها عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بصيغةٍ موحدة: "حرصًا على صحتنا وصحتك، نعتذر عن استقبال الضيوف في هذه الفترة، على أمل اللقاء في ظروف أنسب صحيًا ونفسيًا".

لكن الأدهى، ما حدث بعدها، "كمية استخفاف وسخرية لاقيناه في التعليقات" تقول، وتضيف: "بعضهم علّق: "مر علينا أصعب من كورونا وما عملنا هيك، ليش كل هالخوف؟ هي كورونا صواريخ؟".

تتفق روان مع سابقها أحمد موسى، في أن أحد أهم أسباب استهتار الناس بغزة، هو تراخي الإجراءات الحكومية التي يجب أن تكون بنظرها أكثر صرامة، "لأن الوضع الصحي للقطاع لن يحتمل سوء الأمور أكثر مما هي عليه الآن".

تختم بقولها: "ربّما الحياة تحت الاحتلال، تعدُّ سببًا إضافيًا، الناس هنا اعتادوا على القتل السريع والفوري، وكورونا بالنسبة لبعضهم –وهنا المفاجأة- كذبة كبيرة، ومؤامرة لهدم اقتصاديات العالم"!

كاريكاتـــــير