شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م21:49 بتوقيت القدس

الحاجة لـ "فوطة صحية" نموذجًا..

"الأنوثة".. ورقة "ابتزاز" مرعبة داخل أقبية التحقيق

09 مارس 2021 - 22:12

شبكة نوى | الضفة الغربية:

هل فكرتكم يومًا في أن "الأنوثة" قد تُستعمل ضدّ صاحبتها كورقة ابتزاز؟ أن تُستغل حاجتها لـ "فوطة" صحيّة خلال فترة دورتها الشهرية كي تعترف! هذا حدثَ حقًا –تُقسم الأسيرة سلام أبو شرار- التي اعتُقلت عام 2016م.

المشهدُ قاتم، غرفة تحقيقٍ لا تتجاوز مساحتها 200 سم تحت الأرض، يرعُد فيها صوت المحقق الإسرائيلي، في وجه شابةٍ تبلغ من العمر 21 عامًا، يسبقها مرحلة تخضعُ فيها لتفتيش عارٍ على يد امرأة، فإن رفضَت سيلجأون ساعتها إلى "رجُل".

في التاسع عشر من أبريل/ نيسان من ذلك العام، أيقنت سلام، أنه لم يعد لها أي خصوصيةٍ هنا، وكانت البداية عندما باغتتها الدورة الشهرية لأول مرة. تقول لـ "نوى": "بمجرد أن بدأتُ أشعر بآلام الدورة، التي تمر بها كل النساء كوضعٍ طبيعي، طلبتُ مسكنًا للألم، فأعطوني، لكن بعد ذلك حدثَ ما لم أكن أتوقعه".

في التاسع عشر من أبريل/ نيسان من ذلك العام، أيقنت سلام، أنه لم يعد لها أي خصوصيةٍ في الأسر

تصف الشابة تلك الفترة بأنها "الأقذر والأشد قسوة"، فحين علم المحققون بوضعها وأوجاعها، أجبروها على الخضوع لتحقيقٍ استغرق ساعاتٍ طويلة "الدقيقة مرّت بسنة" تقول، وتكمل: "كانت تشاركنا غرفة التحقيق الضيقة مجندة، يدّعون أن وجودها يحفظ خصوصية الأسيرة، ويمنع الخلوة، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا".

تلك المجندة –تضيف- إذا ما تعدّى وجود الأسيرة داخل المرحاض أكثر من 5 دقائق خلال فترة التحقيق، تفتح عليها بابه والمحقق أمامها، "فعن أي خصوصية يتحدثون؟" تتساءل.

غرفةٌ بحجم القبر، إضاءةٌ خافتة، وجدرانٌ لونها أقرب إلى الأسود، جدرانٌ بطلاءٍ ناتئ يخدش جسد الأسيرة وروحها إن فكرت بالاتكاء عليها فقط! "هذا كله في كفة، والصراخ والشتائم، ومحاولات المحقق بالاقتراب من الأسيرة للضغط عليها خلال فترة التحقيق في كفةٍ ثانية"، تردف.

غرفة التحقيق؛ غرفةٌ بحجم القبر، إضاءةٌ خافتة، وجدرانٌ لونها أقرب إلى الأسود، جدرانٌ بطلاءٍ ناتئ يخدش جسد الأسيرة وروحها إن فكرت بالاتكاء عليها فقط!

تؤمن سلام، بأن اختيار المحقق خلال فترة "الدورة الشهرية" للأسيرة، يكون دقيقًا للغاية من قبل الاحتلال، "أشد قسوة، وقذارة، وعنفًا" تخبرنا.

يصرخ المحقق، والأسيرة تحاول الإمساك بطرف الوجع: خوفها أم آلام الدورة، تتحمّل صراخه، وتحاول السيطرة على نفسيتها المدمّرة أساسًا، والعجيب أنها تشتهي آنذاك فقط أن تعود إلى زنزانتها، فتُلقي بثقل وجعها على فراشٍ رث "وما أصعبها من مفاضلة" تزيد سلام.

"ماذا عن توفر القطن الصحي في التحقيق؟" سألتها "نوى"، فأجابت: "كانت صدمة أخرى، كميته محدودة، وجودته سيئة، في فترة التحقيق تحديداً، هذا الأمر وحده دفعني للتحايل على الجنود وقتذاك بطلب "محارم الفاين" أخبئه وأستخدمه بالإضافة إلى ما يقدمونه من فوط رديئة، كنوعٍ من الاحتياط".

ذات مرة –تحدثنا- تمكنت إحدى الفتيات العاملات في جهاز المخابرات الإسرائيلية من تهريب "فوطة صحية"، كانت الوحيدة التي حصلت عليها بجودةٍ عالية طوال تلك الفترة، وأخرى أُجبرت على تمزيق بطانيتها، واستعمالها بدلًا عن القطن، لأن ما تقدمه إدارة سجون الاحتلال ليس كافيًا، وبخلاف هذا تستطيع الأسيرات شراء الفوط من "الكانتين" في فترة السجن.

تكمل سلام: "الاحتلال يستغل أنوثة الأسيرات أقبح استغلال، الأمر لا ينتهي بمجرد الإفراج عنا، بل يترك أثره ويقتلنا في كلّ آن، نحاول أن نتناسى، لكن كل تلك الذكريات تُلاحقنا نراها كشريطٍ يمرّ بعيون الجنود المحيطين بنا، حتى بعد حريتنا".

ذات مرة –تحدثنا- تمكنت إحدى الفتيات العاملات في جهاز المخابرات الإسرائيلية من تهريب "فوطة صحية"، كانت الوحيدة التي حصلت عليها بجودةٍ عالية

تجربة اعتقال سلام بمرّها في سجون الاحتلال، لم تصبح "حلوة" بعد الإفراج عنها، فنبرة لومٍ تجاه الأسيرات المحررات، لا يستطيع الناس مداراتها في كلّ مرةٍ يتحدثن فيها عن معاناتهن في الأسر.

"خلي الرجال يقاوموا"، كانت من أبشع العبارات التي سمعتها، تتساءل: "كيف يستهجن الناس نضال النساء؟ كيف يطلبون منا ألا نقاوم حفاظًا على كرامتنا عند الحواجز العسكرية الإسرائيلية؟ وكيف يستهجنون علينا المقاومة والدفاع عن أنفسنا وهذا حقٌ وواجب؟".

وتستغرب سلام يوم الإفراج عن الأسيرات، حين يضع الجميع صور المحررات ويتغنّى بعملهن النضالي في مواقع التواصل الاجتماعي، "يصبحن –تريند- لفترةٍ قصيرة، ثم يتناساهن الجميع، يتناسوا الألم الذي عايشنه، والمشاهد الشرسة التي حفرت بصمتها على صدر الذاكرة"، "ليبدأ بعدها الجَلد" تعقب.

الجلد الذي تحدثت عنه سلام، ولوم الناس عموماً "على اعتبار أن المقاومة  واجبٌ على الرجال فقط؟"، تتساءل وتختم باستنكار: "منطقٌ غريبٌ والله".

كاريكاتـــــير