شبكة نوى | قطاع غزة:
لم يترك عملًا إلا وجرّب فيهِ حظّه! وطوال 14 عامًا، أكل الحصار فيه من عمر غزة "نصيب الشباب الحُلو"، لم يُصب سهمُ هيثم نصر في أية مرة.
هيثم، الذي يعيش على سطح هذا الكوكب منذ 40 عامًا كاملة، قرّر أن يجمع في "كنانة قناعاته" سهامًا أخرى لا تعرف لليأس معنى.
عندما لم يعُد يؤمن بالخسارة أصاب.. وهذا ما كان. صانع السهام، والأسلحة البدائية، هيثم نصر، ضيف "نوى" المثابر، ما قصته؟ كيف بدأ؟ وإلى أين انتهى؟ للحديث بقية:

أبٌ لطفلين، عمل في مجالات البناء، والسباكة، وتصليح أطباق البث، وبرمجة أجهزة التلفاز ولاقطات البث "الريسيفر"، وكل هذا "كان يخضع لظروفٍ كثيرة، تضع في الوجه عثرات الوقوف".
حتى في التدريب المهني جرّب نصيبه؛ لعله يحصل على شهادةٍ تخدمه في التوظيف: شهادة "سباكة" بتقدير جيد جدًا، لم تخدمه أيضًا، لا عندما كان التوظيف بيد السلطة الفلسطينية قبل عام 2006 في غزة، ولا عندما استلمته "حماس" هنا.
يقول: "مرةً بقيت في محل لتصليح الساتلايت مدة 12 عامًا، ظننتُ أنني استقريت حينها، وأنني سأكبر في هذا المجال وأبني قلاعًا من طموحٍ حوله، لكن للأسف، أغلق صاحبه المقر، بسبب وضع غزة الاقتصادي الكارثي (..) الكل يطلب تصليح أجهزته بالدَين، والربح قارب نسبة الصفر".
يشرد بذهنه قليلًا قبل أن يستدرك بغصة: "لكن المكوث في المنزل فترات طويلة، يجعلك تتقنُ فن التفكير، تحفرُ في الصخر من الفراغ الناتج عن قلة فرص العمل، والملل، فتبدأ بإيجاد طريقك –ربما- دون أن تقصد أو حتى تلحظ ذلك".
كان الرجل يهوى صناعة الأسلحة البيضاء البدائية، كالأقواس، والسهام، ويعلقها في بيته، وفي مرةٍ وصل به التأمل إلى أن يقرر حملها كلها، وعرضها في أحد الأسواق الشعبية للبيع.
يعقب بحماسةٍ ظهرت جليةً في تسارع نبرته، وعلو صوته: "لم أتوقع ردة فعل الناس آنذاك! هذه حقيقة".
اكتظ المشترون حوله يومذاك، كلهم كانت أعينهم تبرق دهشةً لفرط ما شاهدوا من جمال الصنع، وجودة الخامة، كلهم حوله يهمهمون، ويستفسرون، وهو في عالمٍ آخر يسأل نفسه: كيف اجتمع كل هؤلاء حولي الآن؟ كيف تهافتوا على الشراء هكذا، وأنا الذي ظننتُ أنني كما خرجتُ من بيتي سأعود؟ كيف لم أفكر باستثمار هذه الموهبة من قبل؟
تمثل صناعة السهام والأقواس بالنسبة لهيثم، اليوم، أكثر من مجرد باب رزق
تمثل صناعة السهام والأقواس بالنسبة لهيثم، اليوم، أكثر من مجرد باب رزق، يصفها بقوله: "هي آلة تصنع ثقة الإنسان بنفسه، بقدراته، تعلمه كيف يختار هدفه ويدرب نفسه على التركيز في بؤرته للوصول إليه"، ويكمل: "عن نفسي، أعدُّها رياضة عقلية أكثر منها رياضة بدنية (..) أنا لا أحب القتل ولا العنف أبدًا".

يتعب الرجل كثيرًا في توفير المواد الخام اللازمة لتصنيع أدواته، "فليس من السهل أن يتجول الإنسان في سوق الخردة، ويبحث عن ما يمكن أن يخدمه في صناعة سهمٍ أو قوسٍ على سبيل المثال"، متابعًا: "الفولاذ والحديد، وبعض الأخشاب والبلاستيك، كلها تكون مدفونةً بين أطنانٍ من القطع، عليكَ البحث عن أنسبها".
وتتراوح أسعار أسلحة نصر، بين 100 و300 شيقل تقريبًا. يصنعها في زاويةٍ ضيقةٍ داخل منزله، وقد تأخذ منه القطعة وقتًا لا يقل عن أسبوع، يمكن أن يمتد إلى شهر إن كانت تفاصيلها كثيرة.
يصنع هيثم ما يستهويه من الأسلحة البيضاء، يعرضها عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، ويهتم بحصد إعجاب الناس هناك، كما ينعشه حدوث ذلك على أرض الواقع أيضًا.. هناك في السوق، لا يقبل أن يقلّل أحدٌ من قيمتها المادية أو المعنوية "فهذه الأسهم صنعتُها بنزف الروح" كما يعبّر.
























