شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 05 مايو 2026م00:33 بتوقيت القدس

العنف اللفظي يلاحقهم.. أحيانًا دون قصد

ذوو الإعاقة.. حين تدمي القلب سكاكين "الكلمات"

12 ديسمبر 2020 - 10:10

شبكة نوى | قطاع غزّة:

"أكبر إشاعة سمعتها: إني مغرورة وشايفة حالي.. مع إني والله بشوفش!" هي عبارةٌ نشرتها الشابة وردة الشنطي –وهي من ذوات الإعاقة البصرية- على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، بعد أن أرفقتها بابتسامة، ردًّا على بعض التعليقات التي تصلها وتتهمها بالغرور.

هي طريقتُها في التعامل مع "العنف اللفظي" الذي يمارسُهُ بعض الأشخاص تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، سواءً كان مقصودًا أو عن غير قصد. ببساطةٍ لا تخلو من الطرافة، تخبر الناس الذين يرتطمون بها حين تكون مسرعة، وبعد أن يباغتونها بسؤالهم الهجومي الاعتيادي: إنتي عميا؟ مش شايفاني يعني؟" أنها بالفعل كذلك، بصوتٍ هادئٍ دافئ تقول لهم: "نعم صديقي/ صديقتي، أنا عمياء، أنا لا أرى فعلًا".

هنا لا يعرف الناس كيف يخفون حرجهم من الموقف، أو حتى كيف يصلحونه، فتضحك هي، وتكمل سيرها.

الشابة التي تعمل صحافية منذ أربع سنوات، بعد أن حصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية والإعلام، وتبلغ من العمر (28 عامًا)، تخبر "نوى" أن البعض تسقط منهم الألفاظ سهوًا، يتفوّهون بكلماتٍ تسيء للأشخاص ذوي الإعاقة حتى صارت كلماتهم تلك بمثابة "الصفة" التي تطلق على الأخرين كما لو أنهم يرتكبون جرمًا، كأن يسأل أحدهم آخر: "مش سامعني؟ إنت أطرش؟"، على اعتبار أن كلمة "أطرش" شتيمة!

ولا تتردد وردة في إيقاف بعض الأشخاص لتنبيههم، من بينهم أصدقاء لها قد يتفوهون بمثل تلك العبارات دون قصد، "وهذا دور كل الأشخاص ذوي الإعاقة، نحن أشخاص نستطيع أن نساهم في بناء المجتمع بشكلٍ لا ينقص عن أداء أي شخصٍ آخر، قادرون على الإنتاجية، ونستطيع تصحيح النظرة وتقويم الخطأ" تقول.

وفي مواقف أخرى، تجد وردة أن البعض يتعمّد إحراج الأشخاص ذوي الإعاقة، "كأن يوجهوا كلامًا لأي ناشط أو مدرس أو عامل من هذه الفئة، بقولهم له: هل تعرف لماذا وظفتك المؤسسة هنا؟ لأنك شخص به إعاقة"، في محاولةٍ للتقليل من قدراته، رغم إنتاجيته الواضحة، وهنا تدرك الصحافية أن الإهانة متعمدة، وتعلق: "من يفعل ذلك، يكون مدركًا بالفعل في داخله لقدرات هذا الشخص، لكنه يحاول إهانته لتثبيط عزيمته وتطويق طموحه".

حتى بعض الأشخاص الذين يتعاملون بشكل مباشر مع ذوي الإعاقة، ويعرفون الطريقة الواجبة واللبقة للتعامل معهم، بل ويناصرونهم في قضاياهم، فقد يسقطون سهوًا في بعض الهفوات، مثلًا (والحديث لوردة) عندما يقولون "إن الإعاقة ذهنية هي التي تعيق المجتمع"، فالأصح أن يقولوا: "إن الإعاقة هي تفكير المجتمع ونظرته عن ذوي الإعاقة".

وعن تعاملها بطريقة طريفة مع العنف المقصود وغير المقصود الموجه للأشخاص ذوي الإعاقة، تلفت إلى أن تفاعل الناس واستجابتهم صارت أسرع وأوسع، بعيدًا عن المنشورات التي تحمل صبغة الشفقة والتعاطف، مؤكدةً أن التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة لا يعدُّ "إنسانياً"، إنما هو حق واحترام للإنسان، منصوص عليه في كافة القوانين الدولية.

محمد جمال أبو كميل، شخص آخر من ذوي الإعاقة الحركية، يبلغ من العمر (32 عامًا)، درَسَ إدارة الأعمال والعلوم المالية والمصرفية، ويعمل كناشط مجتمعي في حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

يقول: "تعرضتُ للكثير من العنف اللفظي بشكل مقصود وغير مقصود أيضًا، من فئات مختلفة، مراهقين وأطفال تحديدًا، بعضهم نعتني بألفاظ جارحة أبرزها "مكسّح، أعرج، أعوج، يده صغيرة، لكنني غالبًا كنتُ أتعامل مهم بتجاهلٍ تام، كأنني لم أسمع شيئًا".

وبشكلٍ غير مقصود، لا ينفكُّ محمّد عن سماع كلمات الشفقة والتعاطف من الناس، وتحديدًا كبار السن الذين يبادلونه نظرات العطف مصحوبةً بكلمات مثل: "يا حرام، يا ويلي، الله يكون بعونك، والله يشفيك ويخفف عنك"!

غير ذلك، ثمّة مواقف أخرى تضرب على عصب محمد نفسيًا، لا سيما عندما يتعامل معه أحدهم من باب الشفقة بعرض المساعدة النقدية، "لكنني في كل مرّة، أحاول التعامل معهم بأريحية، وأوضح لهم بأنني لستُ محتاجًا، وأن هناك من هو أحق مني بتلك المساعدة، فيتفهمون الأمر بكل احترام وأدب" يزيد.

وممّا لا شك فيه –بحسب محمد- فإن حملات الضغط والمناصرة، حققت فائدة حقيقية، وزادت الوعي لدى الناس بشكل كبير تجاه الأشخاص من ذوي الإعاقة، كما أنها غيرت الكثير من المفاهيم، "لذلك يجب أن تستمر بشكل متواصل، وبشتى الطرق، وبمشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم" يضيف.

ويرى الشاب أن المواضيع التي يجب تسليط الضوء عليها خلال هذه الفترة، هو توضيح مفاهيم الإعاقة بالشكل السليم، وليس كما هو متعارف عليه بين الناس، "وأن الإعاقة هي بالحواجز التي تمنع هذا الشخص من المشاركة في شتى المجالات، وأنها ليست مرتبطة بالشخص نفسه، بل بالعقبات التي تقف أمامه كشخص" يختم.

كاريكاتـــــير