شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 05 مايو 2026م00:35 بتوقيت القدس

نساء غزّة يسابقن الشمس إلى شاطئ البحر

03 نوفمبر 2020 - 08:51

شبكة نوى | قطاع غزّة:

"يا بنات، هل تذكرن يوم كانت ممارسة رياضة المشي للنساء منكراً؟" سؤال ساخر تفوّهت به واحدة من السيدات اللاتي يمشين على "كورنيش" البحر غرب قطاع غزّة، حتى أجابت إحداهن "على أساس إنه صار عادي عند الكل؟ كم واحدة لا تستطيع حتى اليوم كسر هذا القيد؟".

حوار عابر مرّ على مسمع معدّة التقرير، أو بالأحرى، ربّما كان الموقف عابر، لكنه حقيقة يستوجب الوقوف عنده، فمنذ سنوات قليلة، بدت صورة "الكورنيش" عند كل صباح مبهرة، مئات السيدات يمشين في طوابير عفوية، يركضن أحياناً ويجلسن يتسامرن أمام شاطئ البحر عند فترة الاستراحة، وبعض الفتيات تجرأن وأخذن يركبن الدراجات الهوائية.

مروة عيد ربّة منزل تبلغ من العمر 57 عاماً، أم لستّة أبناء، تخبرنا أنها انطلقت لممارسة رياضة المشي بعد وفاة زوجها الذي كان يمنع الأمر عنها مبرراً "عاداتنا وتقاليدنا لا تسمح بأن تذهب النساء لممارسة الرياضة"، قيد كسرته لكنها لم تكسر حتى الآن مسألة "القيل والقال".

وتضيف "أسمع تمتمات الناس من حولي فور خروجي من المنزل، يسألون ويشككون بي، أين تذهب هكذا من الصباح الباكر؟ لو كان زوجها حياً لما فعلت ذلك".

بخلاف ما كانت عليه سابقاً، صارت مروة ترد بينها وبين نفسها "كم من العمر بقي لألتفت للقيل والقال؟ أنا حرّة، أنا أمشي وسعيدة بذلك فلا بأس وفي مرّات أخرى أكتئب وأمتنع عن الخروج".

تتابع أنها لا تمشي لمجرّد أنها تريد تخسيس وزنها، بل لأنها تستمتع بفعل ذلك، تجدّد طاقتها وتتعرف على نساء أخريات يشاركنها نفس الهموم ونفس القصص، يتلفظن أنفاسهن من بين يوم ممتلئ بضغوطات الحياة والحرب والحصار الإسرائيلي وانقطاع الكهرباء والمياه والمستقبل الباهت الذي يتوّه معه أبنائهن وبناتهن.

في قصّة ثانية لسيدة اسمها أمل، تسابق شروق الشمس يومياً ركضاً نحو البحر، فمجرّد أن تركض تشعر وكأنها تطير في السماء – كما تصف -، شعور لم تجربه بحياتها فلا طائرات يسافر بها النّاس غزّة، وفي الأساس لا من طريق سالكة للسفر بحريّة.

أمل التي تعيش منذ 37 عاماً، تصطحب طفليها عند فجر كل يوم مشياً أو ركضاً، يشاركها زوجها أحياناً، تقول إن في الرياضة لنساء القطاع ما ليس لغيرهن، يهربن من الأشغال الشاقة التي أوقعها الاحتلال عليهن هنا، بإرغامهن على الركض خلف أمور الحياة ركضاً لا يجعلهن يصلن، فبأي وقت هن مهددات بالموت.

وللموت في قطاع غزّة أشكال عديدة، الموت بصاروخ طائرة حربية ربما يسقط على أحد المنازل التي يظن ساكنيها أنها آمنة، أو في الشارع أو على البحر، وما أكثر الدماء التي اختلطت بأمواج بحرك يا غزّة – تضيف -.

ليس هنا فحسب، هناك موت توضحه لنا أمل، وهو يعود لكثرة الضغوط النفسية، فزوجها خسر تجارته بسبب الحصار، وشقيقها أيضاً، ووالدها توفي بسبب عدم السماح له من قبل الاحتلال للعلاج في الخارج، مشيرة "حتى عندما تستمتع النساء اللاتي يمشين بهذا الشارع لقصتي يقلن لي أنني أهوّن عليهن قصصهن" وما أكثر قصص أبناءك وبناتك يا غزّة – تتنهّد قائلة".

المحور ذاته لدى عبير حسين أيضاً، تحدّثنا "في كل خطوة أرمي هم من همومي، هكذا حتى صارت الهموم بمسافة 10 كيلو متر وأكثر، رايحة جاية!".

عبير تبلغ من العمر 30 عاماً درست دبلوم "السكرتارية" وتخرّجت لتنضم إلى صفوف البطالة والعاطلين عن العمل، برغم محاولاتها العمل بشغفها في الطبخ والبيع "أونلاين" لكن الأمر لم يجد معها نفعاً – وفق قولها -.

ليس لمجرّد المشي تنطلق النساء وإنما هرباً من كلّ ما يدور حولهن، ساعتين من الزمن عند كلّ صباح تختصر عمر في العويل والتعويل على ظروف هذه البلاد التي لا تتغير إلا للأسوأ، يسمعن قصص بعضهن البعض، يواسين أنفسهن ثمّ يعدن لمنازلهن لحصاد المزيد من الأسى.

كاريكاتـــــير