شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 20 ابريل 2021م03:58 بتوقيت القدس

لماذا ننجِبُ أطفالًا في غزة؟

22 اكتوبر 2020 - 13:49

شبكة نوى | قطاع غزّة:

كم مرةً سألكم أطفالكم بينما صواريخ "إسرائيل" تنهمرُ فوق رأس هذه المدينة المحاصرة: "لماذا أنجبتمونا؟". 

قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال الوجودي القصير صعبةً للغاية بالنسبة لأمهاتٍ يعلمن جيدًا أن المستقبل هنا "مر النكهة"، وأن أي إجابةٍ قد لا تبررُ للطفل فكرة: لماذا قد يضطر للجلوس خائفًا في "بيت الدرج" بانتظار حتفه؟ كلما قررت "إسرائيل" شن عدوانٍ هنا.

ليست الحرب وحسب، "لماذا أنجبتمونا؟" سؤالٌ قد يباغت به مراهق أهله إذا لم يتمكنوا من توفير حياةٍ جيدةٍ له ولإخوته! الأمرُ لا يتعلق بالمأكل والمشرب وحسب، التعليم والتكنلوجيا ووسائل اللعب والترفيه، حتى "الشيكل" مصروف الصباح، كلها قد تصبح "غصةً" في قلب طفلٍ يمكن أن يراها "متوفرة" في بيت صديقٍ مُقتدر.

"في الحالة السابقة، تدرك الأم كمَّ الضغط الذي وقع على طفلها وتتفهّم ردة فعله، لكنها في الوقت ذاته، تبكي وتغضب –وهي التي لا تحب أحدًا أكثر منه- ثم تغلق باب غرفتها على نفسها هربًا من إجابةٍ لا تملكها لنفسها أيضًا" تقول أماني حسين.

شبكة نوى، فلسطينيات: كم مرةً سألكم أطفالكم بينما صواريخ "إسرائيل" تنهمرُ فوق رأس هذه المدينة المحاصرة: "لماذا أنجبتمونا؟". 

كثيرًا ما تجيب أماني بعفوية الأمهات، طفلها ابن الأعوام التسعة عن سؤاله بقولها: "لأنني أحببتُ أن تكون معي، وتشاركني هذه الحياة"، لكنها في عقلها الباطن تتمنى لو أن ذلك حدث فعلًا في ظروفٍ أخرى، غير هذه التي تعيشها غزة. 

أماني، هي أمٌ لطفلين، تؤكد أنها ولولا ضغوطات زوجها وعائلته كي تنجب في بداية زواجها، لما حَمَلت هذا اللقب حتى أيقنت أن الوضع في غزة آمنٌ لإنجاب طفل.

تقول: "كثيرًا ما سألتُ نفسي، وصرّحتُ بسؤالي هذا على الملأ: أأنجبهم للموت؟ للفقر؟ للبطالة؟ لكن عائلتي وعائلة زوجي كانتا تلومان تشاؤمي المستمر، فلا أحد يعرف المُقدّر، وإنجاب "العزوة" أمر لا بد منه، سواءً لي كأم، أو لزوجي كأب".

لم تشعر أماني بالسعادة عندما حملت على مدار مرتين، كانت تتظاهر بذلك فقط كي لا تسمع المزيد من التقريع "حول نعمة الأطفال" التي تدرك أنها "حقيقة"، وتؤمن بأنها "هبة" من الله قد لا يطالُها كُثُر، "لكن لأنني أحب أطفالي، وأقدر هذه النعمة، أسأل نفسي كلما ضاقت علينا غزة: لماذا أنجبتُهم؟" تستدرك.

من يعرف أماني عن قرب، يعرف حجم تعلقها بأطفالها، وخشيتها عليهم من "الهوا الطاير"، ولعل هذا كفيلٌ بتفسير خوفها "لا أتخيل أن أصحو يومًا ثَكْلى، لا أريدُ مجرد التفكير بأن ابني يومًا ما سيصاب بمرض، ولن أستطيع علاجه لأن إمكانيات غزة ضعيفة، لا أستطيع صدقوني" تردد.

"لماذا قررت إنجاب الأطفال"؟ سؤالٌ وجهته "نوى" لمحمد نصر، وهو أبٌ لطفل واحد، تزوج قبل عام تقريبًا، فأجاب: "باختصار لأن الأطفال زينة الحياة، ولأن الطبيعي لأي إنسان تزوج، أن يفكر بالإنجاب وتكوين أسرة".

يعمل الشاب الذي تزوج بعمر الـ 24 عامًا، بمحلٍ تجاريٍ لبيع "الشالات والإكسسوارات"، كان قد استأجره لعله يؤمن مصروف عائلته التي تمتد لأبيه وأمه وإخوته الأربعة، الذين لا يعمل منهم إلا اثنان وبأجورٍ بسيطة.

يتابع: "صحيحٌ أنني تزوجت بالدَّين، وأن الوضع المادي من العمل بالمحل ليس وفيرًا لأسرتي الصغيرة وأهلي، لكن الحياة بغزّة هكذا، كل شيءٍ يمر بغض النظر عن أسوأ الظروف"، ملفتًا إلى أن "رزق الطفل" يأتي معه، وأن الطبق الذي يطعم ثلاثة سيطعم أربعة على حد تعبيره.

وعن زوجته، يخبرنا أنها مثله، تفكر بإنجاب الطفل الثاني والثالث مرّةً واحدة، لأنها تريد تربيتهم دفعةً واحدة، مردفًا: "هيك بنسمع من أهالينا، نجيبهم مرة وحدة، عشان يكون التعب واحد، بعدين نرتاح بس يكبروا".

"لماذا أنجبُ أطفالًا؟ عشان أجيب الولد!"، هكذا ردّت سحر سالم على السؤال، ثم أكملت: "أنا أجيب نفسي قبل أن أجيبك من أجل التقرير، لا تهمُني البيئة ولا مكان الإقامة، ولا الأمان، ولا الوضع الاقتصادي، بقدر ما يهمني أن أنجب طفلًا ذكرًا"!

تصف نفسها بالقول: "يمكن أنا أنانية، وأكيد عنصرية، لكنني لا أخفي رغبتي بإنجاب الولد، لدي ثلاث بنات وأريد "ولدًا" لأسباب مختلفة أهمها: نظرة المجتمع، أريد أن يكف الناس عن التدخل بحياتي، وغمزي ولمزي ووصفي بـ "أم البنات"، أريد أن يرتاح قلبي بعد أن أتأكد أن زوجي لن يتزوج علي بسبب هذا الموضوع، ناهيك عن أنني أريد سندًا لبناتي في الكبر".

لا تشعر فرح أنها إنسانة تستطيع الموازنة بين حياتها المهنية والأسرية، لذلك قبل الارتباط سوف تتفق مسبقًا مع شريك حياتها على "تأجيل الأمر".

أما فرح سليم، فتبلغ من العمر 27 عامًا، لم تتزوج ولم تصبح أمًا بعد، لكنها بسبب تفكيرها بموضوع الزواج وتبعاته من "ضغوطات" لأجل الإنجاب تخاف من الارتباط.

تقول: "أخاف من أن لا أستطيع تحمل مسؤولية هذا الطفل، في وضعٍ كوضع غزة، لا اجتماعيًا ولا اقتصاديًا"، مستدركةً: "هذا مع أننا نرى نماذج تكافح من أجل تحسين حياة أطفالها، لكنني شخصيًا لا أستطيع المغامرة، خصوصًا وأنني أعيش في بيئة خصبة بالأحداث الميدانية والسياسية والعسكرية أيضًا مثل قطاع غزّة".

ومن ناحية ثانية، لا تشعر فرح أنها إنسانة تستطيع الموازنة بين حياتها المهنية والأسرية، لذلك قبل الارتباط سوف تتفق مسبقًا مع شريك حياتها على "تأجيل الأمر".

تعلق متساءلة: "لمين أجيب إبني أو بنتي؟ للحصار؟ للفقر؟ للاحتلال؟ للعدوان الذي يقتل الأطفال في أحشاء أمهاتهم؟ أم للقهر والموت المبكر الذي يصيب شبابنا بكل هذه الأحداث؟"، مجيبةً وهي تهز رأسها يمينًا وشمالًا: "شخصيًا لا أستطيع ولا بأي حال من هذه الأحوال، أن أتخيل عيش طفلي في ظل هذه الظروف". 

كاريكاتـــــير