شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 05 مايو 2026م02:00 بتوقيت القدس

في زحمةِ أخبار "كورونا" ضاعَ بائع الجرائد "العابر"

28 سبتمبر 2020 - 17:42

شبكة نوى | قطاع غزّة:

"لعل هذه المادة الصحفية تكون فرصةً لأن يسمعنا الناس للمرة الأولى"، يقول موزّع الجرائد رمضان الفار لـ "نوى" بنبرةٍ يعتريها الأسى، ويضيف: "لا أحد يكترث بنا، أنا متأكدٌ أننا –نحن باعة الجرائد- لا نخطر في بال أحدٍ أصلًا".

هذا العابر "الخفي" في قلوب الأوفياء للورق، أولئك الذين كانوا ينتظرونه بشغفٍ كل صباح، هو اليوم عاطلٌ عن العمل بسبب "كورونا". 

يعود ابن الأربعة عقود ونصف إلى أيام ما قبل إعلان الرئيس محمود عباس حالة الطوارئ مطلع آذار/ مارس الماضي، حين كان يوزّع "الأيام، والقدس، والحياة، وفلسطين" يوميًا، لا يحول بينه وبين ذلك أصعب الشدائد "إلا وفاة الأحبة"، ويروي: "كنوعٍ من التسلية بدأت القصة، كان عمري 12 عامًا، وقد عرض علي أصدقائي الالتحاق بهذا العمل إلى جانب الدراسة فوافقت".

شبكة نوى، فلسطينيات: هذا العابر "الخفي" في قلوب الأوفياء للورق، أولئك الذين كانوا ينتظرونه بشغفٍ كل صباح، هو اليوم عاطلٌ عن العمل بسبب "كورونا".

ثلاثون عامًا ونيف، كان خلالها رمضان (ويسكن مخيم الشاطئ) يستيقظ فجرًا، يتناول فطوره، ثم يهمُّ مستقلًا دراجته الهوائية للحصول على حصّته من الجرائد التي يقوم بتوزيعها للمشتركين، أو ربّما لمن بقي على علاقة طيّبةٍ مع الصحف الورقية في عصر التكنولوجيا والإعلام الجديد.

في المصعد الكهربائي، وفي الشارع، وعلى متن دراجته الهوائية، وفي مداخل البنايات، كان الرجل يطالعُ صحيفةً من بين تلك التي يحملها قبل أن يبدأ بتوزيعها، يمر على صفحاتها سريعًا، يبحث عن أهم الأخبار، ويعود بعد دوامه الذي يستغرق يوميًا ثلاث ساعاتٍ ما بين شمال غزة وجنوبها، فيتلو ما قرأ على أفراد أسرته، ويجيب بحماسةٍ رفاق الطرقات حينما يباغتونه بسؤالهم اليومي: "إيش جديد البلد اليوم يا رمضان؟".

يبتسم الرجل، وقد رجع بذاكرته إلى فترة "انتفاضة الحجارة"، عندما كان يوزع الجرائد حينذاك، فيقول: "توزيعها كان مخاطرةً كبيرة، بالذات، حينما كانت تتصدر صور الشهداء الصفحات الأولى، لدرجة أنني كنت أحيانًا أضطر إلى تمزيق الصفحة الأولى من الأعداد بحوزتي، إذا شعرت بالخطر يدنو مني".

لا ينسى رمضان الأثر الصعب لمجلة "البيادر السياسي" في الاحتلال، ولا الملاحقة والمطاردة والهجوم المباشر، الذي كان يتعرض له كل موزعي الصحف على مستوى قطاع غزة، يعلق ضاحكًا: "رغم متاعبها، هي مهنة ممتعة، كان رزقها وفيرٌ قديمًا، بخلاف ما هي عليه الآن.. تمامًا".

رمضان الذي تزوّج وأنجب ٤ بنات وولدين، يعيلهم جميعًا من دخل هذا العمل، ومن قبلهم والده ووالدته وشقيقاته. لقد ظل يحافظ على المهنة ليس لأنه يحبها وحسب، "بل لأن لا خيارات أخرى أمامي" يزيد.

ويردف: "كانت المهنة مُجدية بالنسبة لي حتى وقع الانقسام الفلسطيني، وفُرِض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزّة في العام ٢٠٠٧م.

يعقب بحزن بالغ: "أنا عابرٌ خفي، لا أحد يعرفني إن حملت الصحف ووزعتها، ولا أحد يذكرني إذا غبتُ أيضًا".

يبلغ عدد المشتركين الذين كان الفار يوصل إليهم الصحف الورقية، حوالي ١٠٠ مشترك، يعيشون داخل مدينة غزّة، ومعظمهم "من الجيل القديم" أو "من أوفياء الزمن الجميل" على حد وصفه، ممن يعرفون قيمة الصحيفة، وينتظرون صدورها صباحًا على أحر من الجمر، يطالعونها في السيارة، وفي العمل، وفي الشارع، وفي المنزل، حيث كانت متوفرة في كلّ آن، تمامًا، كما هو الحال مع متصفحي "جدران السوشال ميديا" في الوقت الجاري.

الموزّع الذي بتمسك بمهنته بيديه وأسنانه كونها خياره الوحيد للعيش، حزينٌ لحاله وحال الموزعين زملائه "فلا أحد يرانا، يذكرون اسم الصحيفة، ويذكرون أسماء الصحافيين والصحافيات، وكل شخص تعب على إنجازها، لكن نحن من يذكرنا؟" يتساءل.

كان رمضان يتمنى لو كان ضمن إطار يحتضنه ويحميه في الأزمات، "فلا نقابة، ولا مرجعية تطالب بحقه وحقوق زملائه"، مؤكدًا أن أي مساعداتٍ لم تصل بيته منذ بداية الأزمة.

يعقب بحزن بالغ: "أنا عابرٌ خفي، لا أحد يعرفني إن حملت الصحف ووزعتها، ولا أحد يذكرني إذا غبتُ أيضًا".

كاريكاتـــــير