قطاع غزّة | نوى:
يبدو الأمر ممتعًا، حين يدرس أبناء أسرةٍ واحدةٍ الموسيقى بتخصصاتٍ مختلفة. ينتشر فايروس "كورونا" ويُجبرُ الناس على الالتزام بمنازلهم، وهنا يكمنُ الفرق.
في قطاع غزة، حيث يتراوحُ وصل الكهرباء بين ست وثماني ساعاتٍ يوميًا، تجتمع أسرة صانعة الموسيقى حلا السماك في صالة المنزل، كلّ يعزف على آلته. أصواتُ آلاتهم لا تداعبُ مسامع الجيران وحسب، بل تطرب آذان الكثيرين، عندما تصدح في بثٍ مباشر عبر "فيس بوك".
حلا (١٥ عامًا)، تحدثت لـ "نوى" عن العلاقة التي نشأت بينها وبين الموسيقى مذ كان عمرها سبع سنوات، عندما بدأت بمرافقة شقيقها الأكبر عُمر إلى معهد إدوارد سعيد في مدينة غزّة، تسمعُ العزف وتتأمّل إصدار الآلات للصوت. "كان شيئًا مبهرًا" تصف المشهد، وتقول: "قررت الانضمام رسميًا للتدريبات".
وتضيف: "أنا فتاة أحب الحركة وأحب التغيير والتحدي، وجدت بآلة الإيقاع ما يعبر عن شخصيتي، في كل يومٍ جديد كنتُ أستكشفها أكثر، ومن هنا انطلقت".
"آلة الإيقاع (الدرامز) منبوذة للبنات؟"، دارَ السؤالُ في ذهنِ حلا مراتٍ عديدة، فلا يوجد فتاة من قطاع غزة سجلت لتتعلم العزف على هذه الآلة غيرها، وهذا ما شكّل دافعًا بالنسبة لها لتكسرَ الصورة النمطية، فصارت تعزف "المزهر والدرمز"، وأيضاً تتقن العزف بالطبلة والدف.
"آلة الإيقاع (الدرامز) منبوذة للبنات؟"، دارَ السؤالُ في ذهنِ حلا مراتٍ عديدة، فلا يوجد فتاة من قطاع غزة سجلت لتتعلم العزف على هذه الآلة غيره
لا لون محدّد تستمع إليه حل، هي تحب التنوع والألوان المختلفة، تحب استكشاف الجديد في كل شيءٍ تسمعه، تتأمله بتأنٍ وتبحث عنه عندما تمارس عزفها، "وفي عزفها تثور كلما شعرت بالضيق"، هذا ما استطاع أن يكتشفه مدربها الذي قرر أن يعلمها "الدرمز"، "فالموسيقى لدى حلا، بمثابة رحلةٍ تحلق فيها الفتاة إلى حيث أحلامها، لا تشعر بأحد، تركز فقط في الأداء، ولا تهتم لأي شيءٍ يحدث حولها".
كثيرًا ما تسمع حلا عبارة "هذا حرام، كيف تخرج فتاةٌ محجبة لتعزف؟"، وعليها ترد: "المجتمع لا يتقبل، الانتقادات كبيرة لكن أسرتي هي أكبر داعم لي في الحياة، ويوم أشعر بالتردد من الخوض في غمار شيءٍ ما، أجد أمي تحديدًا تدفعني إلى الأمام، وتشجعني مهما كان جنون رغبتي".
تجد حلا في أسرتها بيئةً حاضنةً ممتازة لتنمية القدرات والمواهب، أحيانًا تقرر هي وشقيقها عمر تنظيم حفلةٍ صغيرةٍ في البيت، كل واحدٍ يعزف ما يحب، ثم يخرجون ببثٍ مباشرٍ عبر صفحة "فيسبوك"، للوصول إلى أكبر عدد ممكن من جمهور الموسيقى المحجورين في قطاع غزّة وأبعد.
ليست الموسيقى فحسب، الفنانة حلا هي لاعبة كرة قدمٍ أيضًا منذ ثلاث سنوات، استطاعت السفر إلى النرويج لتمثيل فلسطين، كما أن لديها اهتماماتٌ كثيرة أخرى ما بين "الريشة" والسباحة و"البيس بول" وأيضًا القيادة المجتمعية، والخوض في أنشطة المؤسسات، والانضمام إلى المبادرات الخيرية والتطوعية.
ولم تقرر حلا بعد ماذا ستدرس عند وصولها الجامعة! لكنها تؤكد أنه سيكون شيئًا مختلفًا عن الرياضة والموسيقى على اعتبار أن هذه الأمور تلجأ لها في الفرح وفي الحزن وكلما احتاجت.
كثيرًا ما تسمع حلا عبارة "هذا حرام، كيف تخرج فتاةٌ محجبة لتعزف؟"، وعليها ترد: "المجتمع لا يتقبل، الانتقادات كبيرة لكن أسرتي هي أكبر داعم لي في الحياة
حلمها الحالي هو الانضمام إلى منتخب فلسطين، إلى جانب أن تصبح عازفة معروفة، تشعر أن مجال العلاقات الدولية وتبادل الثقافات شيءٌ يلفتها وتهتم به، تحب الاختلاط في عالمي الموسيقى والرياضة اللذان تقول إنهما سيشكلان مستقبلها.
كصانعة موسيقى تعيش تحت الاحتلال، تتمنى أن يتم إدخال آلات موسيقية جديدة للقطاع الذي يعاني من الحصار الإسرائيلي منذ ١٤ عامًا، تتمنى السماح لها ولسكّان القطاع بحرية التنقل خصوصًا أنها تتلقى الكثير من الدعوات من الخارج إلا أن الاحتلال هو أكبر معيق للسفر وللأحلام. تتمنى الحرية أيضًا، وهذا أكبر ما تفتقده كفلسطينية تعيش في بلد محتل.
























