شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 05 مايو 2026م07:01 بتوقيت القدس

هلا الصفدي..

أمٌ تصرخ في فيسبوك "بدّي حضانة إبني"

18 ابريل 2020 - 23:11

غزة - شبكة نوى :

وردة وقبلة، آخر ما تبادله جاد ذو الأعوام الثلاثة، مع أمه هلا، وحوارٌ قصيرٌ دار بينهما، قبل أن يغادر منزلها برفقة والده، على أن يعود صبيحة اليوم التالي، قالت له: "تروح مع بابا يا ماما؟"، فأجابها بهزة رأسٍ عفوية: "نعم.. اليوم دور بابا، وبكرة برجع لعندك"، حدث ذلك في السادس عشر من آذار/ مارس الماضي، منذ ذلك التاريخ غاب جاد عن حضن والدته، ولم يعد!

الأيام التي تعيشها "هلا الصفدي" حاليًا، ليست حالكة الظلمة فحسب، بل مأساوية أيضًا! أيُّ زمنٍ هذا الذي يبيح السكوت عن الظلم بحجة "كورونا"؟ أي "كورونا" هذا الذي يسمح بحرمان أمٍ من ضم ابنها إلى صدرها لمجرد أن والده قرر ذلك؟ منذ ذلك التاريخ، وفي أقسى وقتٍ يمرُّ على البشرية أجمع بسبب الجائحة، هلا الصفدي لم تسمع صوت "جاد" حتى عبر الهاتف! وهذه تفاصيل القصة:

كان على هلا أن تترك عملها في واحدة من أكبر مؤسسات المحاسبة وتدقيق الحسابات في بريطانيا، بعد أن درست الماجستير في الإدارة والتمويل، وأن تعود إلى غزّة، فقط لتثبت أنها تريد حضانة ابنها.

هلا التي عملت صحافية أيضاً في غزّة عام 2012م، عادت من بريطانيا في الثالث والعشرين من شهر شباط/ فبراير الماضي، أي قبل شهرين من الآن، من أجل إنهاء معاملة الطلاق الذي اتفقت عليه هي ووالد طفلها، تمامًا كما اتفقت معه على أخذ ابنها الذي كان يعيش مع والديها، للإقامة معها في المملكة المتحدة، بعيدًا عن الحياة في القطاع المحاصر منذ 14 عامًا.

 حددت المادة (391) من قانون الأحوال الشخصية السن التي يستغني فيها الصغير عن خدمة النساء وهي سبع سنين والصغيرة تسع سنين وعندها تنهي فترة حضانة النساء للصغار ويجبر الأب بعد ذلك على أخذهم من الأم أو الحاضنة، أما قانون حقوق العائلة المطبق في قطاع غزة فقد نص في المادة (118) على انه (للقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع وللصغيرة بعد تسع إلى إحدى عشرة سنة إذا تبين أن مصلحتهما تقضي بذلك).

لمدّة عامٍ ونصف، وبشكلٍ يومي، كانت تتحدث الأم مع طفلها عبر مكالمات الفيديو، تجمع الهدايا والألعاب ليومٍ يلتقيان فيه، تتواصل مع حضانته بشكل متقارب، وتحاول التفاهم مع والده بشأنه، إلا أنه يباغتها بطرق تصفها هي بـ "القبيحة" لإثبات أنها لا تليق بلقب "أم"، مثل قوله :"امرأة ليبرالية منفتحة في مجتمع ذكوري". بحسب روايتها.

منذ شهر تمامًا، لا تعلم هلا عن طفلها شيئًا، لا يسمح والده برؤيتها له، ولا يسمح لها بالتحدث معه عبر الهاتف، حتى في يوم الأم، عندما تواصلت معه ردّ عليها بعبارةٍ واحدة: "أعلى ما في خيلك إركبيه، وبيننا المحاكم"، تقول هلا لـ "نوى": "كان معتمدًا في كلامه على كون عمل المحاكم الشرعية معلقًا اليوم بسبب حالة الطوارئ، وأنها مغلقة حتى إشعارٍ آخر".

وتضيف: "ذهبتُ إلى مراكز الشرطة في غزة، وطلبت من كثيرين التدخل من أجل إنهاء الموضوع، وجلب ابني بشكلٍ ودي، إلا أنه كان يرفض أي تدخل، ويواصل تحديه بالقول (أرغب في حل الأمور من خلال المحاكم)".

لم تيأس الأم، حتى أنها تمكنت من التواصل مع القضاة، ومؤسسات حقوق الإنسان، ليخبرها أحد القضاة أخيرًا بأن طفلها ليس صغيرًا بما فيه الكفاية، كي يقوموا بإحضاره لها على الفور، وقال آخر: "لا يمكنني فعل شيء حتى يعاد فتح المحاكم الشرعية، هناك العديد من النساء اللواتي يعانين من نفس المشكلة بالضبط، لكننا لا نستطيع فعل شيء لهن الآن".

"كيف يمكنني التأكد من أن جاد لا يتعرض للتعنيف؟ أليس إبعاده عن حضني وهو بهذه السن عنفًا؟ هل التعنيف النفسي أقل خطورةً من الجسدي؟"، أسئلة أتعبت هلا التي أجابها زوجها عنها بجملةٍ مختصرة: "إذا تعرض لسوء المعاملة، فإن الأمر يقع على عاتقي تمامًا، الشرطة لن تجلب لك ابنك دون حكم المحكمة الشرعية".

اشتكت هلا لأحد مراكز الشرطة، تعرض ابنها لاعتداءات نفسية، من خلال  منعه حتى من التحدث معها، أو مع جدته التي أمضى في حضانتها عامًا ونصف، دون جدوى، ليكون "فيسبوك" وجهتها الأخيرة.

عبر صفحتها صرحت هلا بوجعها الذي كانت تخفيه أمام الملأ، وحكت قصتها، كتبت عن حضانة الأم لأطفالها حتى يبلغون التاسعة في حالات الانفصال، وعن ابنها الذي يبلغ من العمر ثلاثة أعوام فقط، الذي حرمت منه بالحيلة، عبر فيس بوك ناشدت: "لا ينبغي السماح بإساءة معاملة النساء بحجّة الطوارئ، بل يجب تجريم ومعاقبة الرجال الذين يسيئون استغلال حالة الطوارئ".

وضمن تفاصيل مأساتها، تذكر الأم أنها كانت في إحدى المحاكم التي كانت فارغةً تقريبًا بسبب حالة الطوارئ، وقد شعرت بألمٍ شديد عندما سمعت نساءً يتحدثن بنفس لسانها، وأخريات يتعرضن لسوء المعاملة من قبل آباء أطفالهن.

"إذا لم أكن أماً تعاني الآن، لما كنت سأعرف هذه المشاكل، كنت سأركز على كيفية الوقاية من فايروس كورونا فقط، لكنني ما كنت لأختبر "فايروس الظلم" الذي أظنه أكثر تفشيًا داخل مجتمعنا، ولم يستطع القانون حتى الآن السيطرة عليه" تقول.

قانون حقوق العائلة المطبق في قطاع غزة فقد نص في المادة (118) على انه (للقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع

وتضيف: "للعلم، أنا لا أملك أي وثيقة أو ورقة رسمية تخص طفلي، لا جواز سفر، ولا حتى شهادة ميلاد، وعند الشرطة كان هناك اتفاق على منع جاد من السفر إلا بموافقة والده، إذ كان يمكنه تسجيل اسم ابنه على المعابر لمنعه من السفر، لو كان يخشى أن آخذه دون علمه أو إذنه".

ولا يمكن لأمٍ –حسب القانون- أن تستصدر جوازات سفر لأطفالها من دون موافقة الوالد، ولا حتى السفر مع الطفل بدون ورقة رسمية منه أيضًا تثبت موافقته، بخلاف لو كان هو المسافر معه.

وبعد أن أثارت قصة "هلا" ضجة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإن بعض مؤسسات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى مكتب اللواء توفيق أبو انعيم، أبدوا معها تعاطفًا كبيرًا، ووعدوا بالنظر جديًا إلى قضيتها، لكنها أشارت أن بعض المتعاطفين قالوا: "بس ليش تكتبي على فيسبوك؟".

القضية التي أشعلت جدلًا فيما يخصّ قضايا المشاهدة بين الأزواج المنفصلين، دفعت "نوى" إلى مقابلة المحامية "رولا موسى" مسؤولة الرقابة القانونية في مركز "مساواة"، التي قالت: "المحاكم قررت المباشرة بدوام الطوارئ غدًا الأحد، بدءًا من التاسعة صباحًا حتى الواحدة ظهرًا، بخلاف ما كان يحدث من قبل، حين لم يكن هناك دوام إلا للمعاملات فقط".

وفي السياق، تشرح أن "هلا الصفدي على سبيل المثال لا الحصر، تعرض ابنها لعملية اختطاف، حتى ولو كانت في البداية حيازًا مشروعًا، وبالتالي غياب عمل المحاكم طول الفترة  الماضية، أثر على نسبة تعرض النساء للعنف، واستغلال وجود الأطفال بحيازة الأب، لمنع الأم من مشاهدة أطفالها" .

وتضيف: "القضايا العالقة معقدة من قبل حالة الطوارئ، وازدادت مع الإعلان وتعطل عمل المحاكم، إلا أن هناك بعض القضايا التي يكمن حلها في نصوصٍ قانونية تنصف المرأة أكثر، وأبرزها رفع سن الحضانة"، ملفتةً إلى أن المؤسسات النسوية تحاول الضغط نحو تحسين ظروف بعض القضايا، مثل رفع سن الزواج، وتبني قضايا العنف ضد المرأة بشكل عام، وإجراءات التحقيق، والمحاكمة في العنف الأسري.

وتؤمن رولا، أن لوزارة المرأة دورٌ كبيرٌ في القضايا العالقة، إلا أن الحلول على أرض الواقع معدومة، مردفةً بالقول: "يجب على الجهة القائمة التي تصدر التعميمات القضائية، أن تكون منفذًا ضاغطًا لإكساب المرأة المزيد من الحقوق، مثل رفع سن الحضانة للأم، ومساواتها بالضفة الغربية، خاصة وأن حرمانها من الحضانة، يعدُّ عنفًا ضد المرأة، وانتهاكًا مباشرًا لها، وتعديًا على حق الطفل بالنمو والسلامة النفسية.

بدورها، تقول تهاني قاسم، مديرة مركز "حماية" لتمكين النساء والعائلات: "إن صراعات كثيرة نشبت بين الأزواج منذ إعلان حالة الطوارئ، أحد الطرفين لا يريد إخراج طفله أو طفلته بسبب انتشار كورونا، والآخر مُصِر على إتمام المشاهدة".

وتضيف: "في العديد من الحالات، يستغل الطرفان الوضع لعدم تنفيذ المشاهدة، قمنا بحل بعض النزاعات بتبرير أن كورونا لم تنتشر في غزة، إلا في حالات حصرت داخل مراكز الحجر، غير أننا اتخذنا تدابير السلامة، ونتابع الوضع الصحي بشكل جيد".

وتتابع قاسم: "الأزمة طورت الأمر إلى حد الابتزاز، ما دفع بجهود مؤسساتية إلى الضغط على الجهات المختصة، وبناءً على ذلك، صدر قرارٌ من رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة، حسن الجوجو، يقضي بالتنفيذ الجبري لتسليم الأطفال الذين لا يزالون في حضانة أمهاتهم، وتمّ التحرّز عليهم من قبل الآباء".

هذا ما أكّدته المحامية رولا موسى أيضًا، بعد توجّه "مساواة" للمجلس والنيابة العامة في غزة، للمطالبة بالتحقيق، واتخاذ المُقتضى القانوني المناسب بخصوص شكوى تلقتها من السيدة هلا الصفدي، حول حرمانها من رؤية طفلها من قبل والده.

كاريكاتـــــير