شبكة نوى، غزّة:
"في هذه الفترة الحرجة، تناوَل أي شيء تريده، وإذا حاول أي شخصٍ أن يعطيك محاضرةً عن وزنك والريجيم، تناوله هو أيضًا" هكذا يحاول الشباب (نساءً ورجالًا) التندّرُ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولةٍ لتسليط الضوء على أحد أهم مساوئ الحجر المنزلي "صنع الكثير والكثير والكثير من الطعام".
بعضهم، يقنع نفسه بهذه النكتة ليخلص نفسه من تأنيب الضمير، عندما يتذكر أن "الميزان بات يشتكي" ثقل الحمل فوق ظهره!
حالة الطوارئ التي أعلنت في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، كإجراء احترازي من جائحة "فايروس كورونا"، جعلت رواد مواقع التواصل "بلا شغلة ولا عملة" إلا تناقل التجارب الفنية في صناعة الطعام، وتناوله أيضًا عبر الصور ومقاطع الفيديو، التي شارك فيها حتى "أولئك الذين فرض عليهم الحجر العمل عن بعد".
العلاقة بين أسيل ياغي (22 عامًا) التي تعيش في مدينة غزة، والطعام، أضحت "علاقة عاطفية" على حد تعبيرها، ذلك بعد فترة الحجر المنزلي التي بدأت في الخامس عشر من مارس/ آذار الماضي، باستثناء بعض المشاوير الضرورية لقضاء احتياجات المنزل.
تقول: "مما لا شك فيه أننا تأثرنا كثيرًا بتناول الطعام في فترة الحجر، كنت قد عزمتُ على الاستمرار في نظامي الغذائي الصحي، إلا أنه "فرَط" أو تفرفط في الأسبوع الثاني من الحجر، ومنذ ذلك الحين، آكل كل ما يحلو لي ويخطر على بالي، وطوال الوقت شهيتي مفتوحة".
علاقة أسيل بالمطبخ تحسنت كثيرًا "بسبب كورونا"، إذ باتت تفرغ طاقتها في إعداد الطعام، وتناوله! لدرجة أنه لم يعد لديها مشكلة في النهوض قبل الفجر لصنع طبقٍ من "الشكشوكة" (بيض بالبندورة والفليفلة والبصل) وتقديمه لأشقائها كوجبة إفطار، ما دعا والدها للتساؤل: "إذا كل هاد بتعملوه الآن، في رمضان شو رح تعملوا؟!".
قوالب الكيك، والدونات، وأصنافٌ أخرى من الحلويات، باتت تُعِدّها بمهارة، الشابة التي تتبادل مهاراتها مع صديقاتها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعية.
"إنتِ بتشبعيش؟" لهذا السؤال قصة أخرى، إذ بإمكان كلماته القليلة أن تُشعل شجارًا عائليًا بين أبناء السيدة رقية حسنين (٤٧ عامًا).
تقول لـ "نوى": "هذا السؤال يتكرر باستمرار من قبل ابني الكبير أحمد، لأخته "حنان" كلما رآها تتناول طعامًا ما، في المقابل يكون هو الآخر قد انتهى من تناول أي نوعٍ من الأطعمة الحلوة أو المالحة".
"مع فترة الحجر وإغلاق المقاهي بات لا يشعر بنفسه!"، تفسّر الأم سبب إقباله على الطعام، وتضيف: "سواء أنا أو الأولاد، جميعنا لا نجد شيئًا نفعله سوى الأكل، حتى وإن كنا شبعانين! ننبّش على أي شيءٍ في المطبخ، حتى أن الصالون وغرف النوم صارت تشهد علينا أيضًا".
في العادة، لم تكن رقية من عشاق صنع الحلويات رغم أنها ربة منزل، لكن "كورونا" دفعها للقيام بذلك بسبب "زن" أولادها وبناتها، وقولهم لها بعد كل ما يشاهدونه على صفحات أصدقائهم من صور للطعام والحلويات: "كل الأمهات بتعمل أكل وولادهم بنزلوا الصور على فيسبوك، إعمليلنا يا ماما!".
الطلبات المتكررة دفعت بـ "رقية" إلى التفاعل عبر المجموعات النسائية، لطلب طرق الحلويات التي عمّت أرجاء الكوكب الأزرق، وإعدادها في المنزل، وهو الأمر الذي راق لأسرتها وزوجها الذي علّق على الأمر بقوله الساخر: "شكرًا لكورونا، هذه أحلى إيجابية لانتشار الوباء!".
في قصّة ثالثة عن العلاقة بين الحجر والأكل، يشير أمجد مسعود (٣٧ عامًا) إلى عبارة يقول إنها تختصر كل الكلام: "أكتر باب عليه زيارات، ويُفتح للجميع هذه الأيام هو باب الثلاجة"، ويردف ساخرًا: "باب البيت تسكّر وباب الثلاجة بطلّ يتسكّر".
أمجد هو ربّ أسرة تتألف من زوجته ريم، وبناته لما وميرا وريتال، كان يعمل نادلًا في أحد مطاعم غزّة. لم يكن قبل كورونا يهتم لأمور المطبخ بتاتًا، أو لم يكن لديه وقت لذلك حسب تأكيده، إلا أنه ومنذ الإعلان عن إغلاق المطاعم والمقاهي كإجراءات احترازية اتخذتها الحكومة في غزّة منعاً لانتشار الوباء، صار المطبخ ملاذه الأوّل والأخير.
ويضيف: "نأكل في المطبخ، ونشاهد المسلسلات عبر الهواتف في المطبخ، ونطالع الأخبار في المطبخ، حتى أن الليل أقضيه في المطبخ مع أسرتي دون كللٍ أو ملل".
ولعلّ الحجر، وقضاء أمجد وقتًا أطول في البيت، لم يعد يرق لزوجته التي قاطعت حديثه قائلةً: "يا ليتك تعود لعملك، وتكف عن التدخلات في كل وجبة أعدّها، حتى لو كانت ساندويش صغير!".
توضح ريم أن زوجها منذ أن بدأ الحجر، بات أمجد ملازمًا لها في المطبخ، يتدخّل في كل شيء، بكمية الملح على الطعام، وكمية الماء حتى، مردفةً باستهزاء: "لا يعرف في الطبخ شيء، ويأتي ليعدّل علي كأنه يعلم كل شيء!".
ويرى أمجد أنه بدخوله المطبخ، يقلّل من توتره، أو يهرب من التفكير بتأثير الجائحة على وضعه المعيشي الذي يرعبه أكثر من الإصابة بالوباء، خاصّة أن وضع غزّة مأساوي منذ فرض الحصار الإسرائيلي قبل ١٤ عامًا، فكيف مع الحصار وكورونا؟ سؤال مرهق لمليوني إنسان يعيشون هنا. "المطبخ وجهتنا الأولى والأخيرة اليوم، فقصّتنا طويلة بطول انتشار كورونا" يقول.
























