رام الله:
"إحنا مش رح نقرّب عليكِ عشان تطلعي على الطابق الثالث.. على الحجر"، هذه العبارة كانت زبدة حوارٍ استمرّ بضع دقائق بين الفنان سمير جبران، وكلًا من ابنته كاتيا وصديقتها.
كان يفصل بينهما حوالي متر، في منزله الذي قرّر تحويل الطابق الثالث منه إلى مكان للحجر الصحي.
في الخامس عشر من شهر آذار/ مارس الجاري، كان من المقرر أن تعود الفتاتان اللتان تدرسان في الجامعة الأمريكية بباريس إلى رام الله، إلا أن الاحتلال لم يسمح لهما بالعودة بنفس الطائرة، فأخّر سفر كاتيا يومًا واحدًا – حسب ما نقل والدها جبران.
وتداول نشطاء مقطع فيديو، يُظهر لحظة وصول الفتاتين إلى المنزل، وبقاءهما في مصعد داخلي، ألقيَتا من داخله التحية على الأسرة من مسافة لا تقل عن متر، بينما يدور حوارٌ مفاده: "الأسرة متلهفة لاحتضان ابنتها، لكنها تعي خطر احتمالية إصابتها وصديقتها بفايروس كورونا، وإمكانية نشر العدوى بين أفراد العائلة، فاكتفت بالحديث عن بعد حتى مرور وقت الحجر المحدد.
تشير الأم في الفيديو إلى أنها جهَّزت الطابق الثالث من منزلها بكل ما يلزم، للفتاتين اللتين قررتا الخضوع للحجر المنزلي الطوعي، انطلاقًا من شعورهما بالمسؤولية الفردية، وشعور الأسرة بالمسئولية المجتمعية في مواجهة انتشار "كورونا".
ويؤكد سمير جبران في مقطع فيديو نشره عبر صفحته الشخصية عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أنه كان من أوائل الناس في فلسطين، الذين أطلقوا حملة للوقاية من "كورونا"، وأنه لا يزال مستمرًا لأن ليس هنالك ما يخجل من الموضوع، بل إنها مسؤولية يجب على الكل إدراكها.
ويوضح أن ابنته وصلت إلى فلسطين المحتلة في السادس عشر من آذار، حيث استقبلتها صديقتها "تيا" داخل المطار، واصطحبتها إلى المنزل بإجراءات دقيقة دون الحاجة إلى استئجار سائقٍ خاص، بينما كانت الأسرة بانتظارهما بعد تجهيز مكانٍ للحجر المتفق عليه مسبقًا وقبل وصولهن.
يتابع جبران: "أمس ظهرت علامات حرارة على كاتيا، هاتفت الصحة الفلسطينية وأتى فريقٌ لأخذ العينات، ثم عادوا للاتصال بنا صباح اليوم مؤكدين أن النتائج إيجابية" بمعنى إصابة الفتاتان بالفايروس.
وفي إجراءات لها، أصرّت وزارة الصحة الفلسطينية في رام الله على نقل كاتيا وتيا إلى المشفى بشكلٍ فوري، وبالفعل تم نقلهما بصحبة فريقٍ طبيٍ متخصص إلى الحجر الصحي بالمستشفى –وفق رواية الأب– الذي يؤكد أن كاتيا وتيا بصحة جيدة كونهما متواجدتان بالمكان الصحيح لتلقي العلاج.
ما أزعج العائلة، انتشار شائعاتٍ كثيرة تدعي إصابة الفتاتين قبل ظهور نتيجة العينات وهذا ما شدد بخصوصه جبران حين قال: "يجب على الناس الكف عن ترويج الشائعات التي تفاجأنا بها قبل تأكيد إصابة ابنتنا وصديقتها".
من ناحية ثانية، أثنى العشرات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على ما فعلته الأسرة بوضع كاتيا وتيا في الحجر الطوعي حتى قبل اكتشاف المرض، فكتبت الصحافية ميرفت صادق: "وعي أهل الشابة المصابة بكورونا في رام الله، ووضعهم لابنتهم وصديقتها في الحجر المنزلي، ساهم في منع انتشار الفيروس، حيث لم تخالط الفتاتان أحدًا في محافظة رام الله والبيرة".
وقالت: "مع تفضيل عائلة فتاة وصديقتها من رام الله، عدم تداول فيديو استقبالهما "عن بُعد" بعد عودتهما من فرنسا، دون اقتراب ولا احتضان ولكن بكلمات رائعة ومطمئنة.. إلا أن تجربتها في عزل البنتين بمكان منفصل عن البيت حتى قبل التأكد من إصابتهما رسميًا، ولمجرد عودتهما من الخارج، وعدم السماح بالخروج والتجول واختلاطهما بآخرين، تجربة تُحترم.
"الابتعاد الاجتماعي" وسيلة لقتل فايروس كورونا وحماية نفسك وعائلتك وأهل بلدك".
وأضافت: "الحجر الصحي ليس بالعيب، الحجر الصحي تصرف حضاري يحترم الإنسان فيه حياته وحياة الآخرين، ويساهم في إنقاذ القطاع الطبي من الانهيار لكثرة الإصابات".
فيما علّقت سمر مأمون بالقول: "شكرا لهذه العائلة العظيمة.. ولنتعلم جميعًا منها.. الكورونا مرض لا ينبغي إخفاؤه أو اعتباره وصمة عار كما يظن البعض.. وأهم مشاهير وزعماء العالم أعلنوا إصاباتهم حالما عرفوا بها.. شكرًا لأنكم تسجلون موقفًا يحتذى به".
وكان الناطق باسم الحكومة إبراهيم ملحم، قد أعلن تسجيل ثلاث إصابات جديدة بفايروس كورونا، لطالبتين جامعيتين من القدس ورام الله قادمتين من فرنسا، إضافة إلى آخر من نابلس، ليرتفع عدد المصابين في فلسطين إلى 47 مواطنًا.
























