قطاع غزّة:
من "موسم الأعراس" إلى "موسم الجنازات" في ساعات قصيرة، تتحوّل حياة الفلسطينيين في قطاع غزّة، بعد أن يقرّر الاحتلال شنّ عدوان جديد دون سابق إنذار بالطبع.
وما جرى في جولة التصعيد الأخيرة التي وقعت في الثاني عشر من نوفمبر / تشرين الثاني نموذجاً، حين بدأت طائرات الاحتلال هجومها باغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا وزوجته أسماء بينما كانا آمنين نائمين في منزلهما الواقع في حي الشجاعية شرق مدينة غزّة.
"نظراً للظروف الأمنية المحزنة التي يمر بها أهلنا في قطاع غزة، تم تأجيل حفل زفافي، وسنعلمكم بالموعد الجديد فيما بعد" هكذا أعلن كريم قدّورة عن تأجيل موعد زفافه المنتظر، يوم كان يحلم به هو وعائلته التي وقعت فريسة سابقة للعدوان الإسرائيلي خلال العام ٢٠١٤ حيث تم إلغاء فرح شقيقه الأكبر نظراً لظروف المأساة التي عاشتها في تلك الفترة.
يقول العريس الذي عقد قرانه على عروسه حنين في إبريل / نيسان من العام الجاري، إن فترة التجهيزات والترتيبات التي تسبق حفل الزفاف في قطاع غزّة ليست سهلة، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر على سكان القطاع بشكل عام ويتأثر بها الشباب المقبل على الزواج من تشطيب للشقة التي سيكنون فيها وتجهيز أثاثها ثم التحضير للعرس الذي تتخلله فقرات تستدعي صرف الكثير من المال حتى في أبسط الأشياء.
ويضيف "كان شهر عصيب، في نوفمبر، وهو الشهر الذي حددنا العرس فيه وعلينا إكمال كافة لهذا اليوم، من حجوزات للحفل والقاعة وتنسيق بين أهلي وأهل حنين" متابعاً أنه لم يكن باستطاعتهما تحديد إجازة للزواج فيها إلا بحسب إنجازاتهما السنوية، فهو يعمل صحافي، وعروسه حنين تعمل بمشاريع ممولة من الخارج تعتمد على تدريس وتعليم الدراما لطلبة المدارس، فكان من الصعب أن تؤجل ظروف عملها وبناءً على ذلك تم تحديد موعد الزفاف بفترة أسبوع ما بين المشروع الأول والثاني في عملها.
جرت التجهيزات بشكل سريع تماشياً مع ضغط الوقت للأسباب السابقة، إذ تمت طباعة الدعوات العرس وتوزيعها على الناس، حتّى قام العدوان الذي بدأ باستهداف بهاء ثم المزيد المزيد من الشهداء.
ويوضح كريم أنهم في اليوم الأول والثاني تعرضوا لضغط نفسي كبير، وصفه بأنه أكبر من ضغط تجهيزات العرس، مشيراً "لا ندري ماذا نفعل، نؤجل أو لا نؤجل، كنا ننتظر خبر التهدئة أكثر من فرحتنا بيوم العرس. وصلنا لدرجة لا نريد التحدث مع أي أحد، لا نرغب بالرد على أي استفسار، هل ستؤجلون أم لا، حتى اتخذنا القرار وأجلنا بالفعل".
فكر العروسين بالزواج على الصمت واستبدال إقامة الحفل وتكاليفه بالسفر إلى العمرة، إلا أنها فكرة لم تكن محببة لعائلة العريس التي رفضتها تماماً، وأخذت تقلّب عليهم مأساة حرمانهم من إقامة حفل زفاف لشقيق كريم الأكبر بسبب عدوان الاحتلال في العام ٢٠١٤، حيث ألغي حفل الزفاف بسبب مآسي الحرب التي وقعت على الناس واستشهاد بعض من أقارب العروس.
ورفض أسرة كريم تحديداً، أتى من كون أن الاحتلال دائماً ما ينغّص أفراح الفلسطينيين، وهذا ما لم يستسلمون له هذه المرة فدعموا فكرة التأجيل إلى حين الهدوء ولـ "كي يدخل الفرح للبيت وينفسوا قليلاً مما تكتسبه روح الإنسان في العدوان على غزة" بحسب كريم.
كما يشير الشاب إلى أن كونه يسكن مدينة خانيونس وعروسه تسكن مدينة غزة، أمر وضعته العائلتين في الحسبان، فالطريق لن تكون سهلة، وحركة التنقل بين المدينتين ستكون خطرة كون الاحتلال جاهز لاستهداف أي مكان دون تردد، مؤكداً "بالتالي لن نستطيع المخاطرة بالناس حين ندعوهم".
"كنت أتمنى لو أتزوج يوم ميلادي، في الخامس عشر من نوفمبر / تشرين الثاني، لكن أبسط أمنياتنا في غزّة لا تتحقق بسبب الاحتلال" قصّة العروس هديل رزق مشابهة تماماً في ظروفها لقصّة العريس كريم، حتى أعلنت عبر صفحتها الشخصية في فيسبوك "نظراً للعدوان على غزّة واحتراماً لدماء شهدائنا الأبرار، تم تأجيل موعد زفافي إلى إشعار آخر".
هديل التي عاشت فترة صعبة خلال فترة الخطوبة بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تمر على غزّة، بالكاد استطاع خطيبها ترتيب أمور الزواج التي امتدّت إلى عام وتحديد موعد الحفل أيضاً، يوم انتظراه بفارغ الصبر لم يكتمل، هذا كلّه بسبب العدوان الإسرائيلي على غزّة.
"قررنا التأجيل ولم يمر القرار سهلاً" تقول العريس مضيفة "لم يخف خطيبي مريد حزنه حينما طلبت منه التأجيل، لكنه لم يعترض أيضاً، لن نفرح إذا أقيم الحفل وحولنا أناس يموتون في كل آن باستهداف ما يمكن أن يصيب عزيز علينا، ولا فرح يكلل والناس مكسورة وتفقد أحبائها".
تتابع أن معنوياتها كانت سيئة، حتى من حولها من أسرتها التي لطالما انتظرت هذا اليوم بفارغ الصبر كون هديل هي ابنتهم الوحيدة إلا أنهم احترموا قرارها ودعموها.
وعن تحديد يوم آخر للزفاف، فإن هذا أيضاً مرهون بمجريات الأحداث في غزّة كي تعطي نفسها مساحة للفرح ولمن حولها، بعيداً عن مشاهد الدم التي اشتهرت فيها غزّة بالتصعيد وإحساساً بالناس، فهذه المساحة الضيقة من فلسطين يطبق عليها الحصار منذ ١٣ عاماً، تعاني يومياً ويلات الاحتلال وما ينتج عن فعله، لا يستطيع الناس إلى مواساة بعضهم البعض، في مواسم الاحزان وفي مواسم الأفراح.
ونفذت إسرائيل على مدار ثلاث أيام من تاريخ ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ سلسلة هجمات مستهدفة منازل مواطنين مدنيين في مناطق مختلفة بقطاع غزة، مخلفة ٣٤ شهيداً وشهيدة بينهم ثمانية أطفال وثلاث نساء، ١٠٩ جريح بينهم ٥١ طفل ١١ امرأة.
























