قطاع غزّة:
تحوّلت صيدليات غزّة إلى "دكاكين"، ليس من ناحية الأصناف بالطبع، وإنما بطريقة بيعها هكذا يجمع أصحابها. وهذا ما خلص إليه الحصار الإسرائيلي على مدار 13 عاماً، ومن يعلم إلى أي مدى يمكن أن يصل البؤس؟ لا أحد يعلم، هذه غزّة، أكثر بيئة خصبة بالأحداث المأساوية، ما بين العدوان الإسرائيلي الذي باغت الفلسطينيين مرّة واحدة ثلاث مرات في عقد على هيئة "حروب" وفق تصنيف النّاس، أو بقتل أرواحهم المستمر بتشديد الحصار وإفقارهم.
ذات مساء في صيدلية، أتت سيّدة ظهر على ملامحها علامات التعب والإرهاق، تحمل كيساً أسود من البلاستيك محمّل بالعديد من أصناف الأدوية ما بين الكبسولات والحبوب والمراهم، أخذت تسأل الصيدلانية عن أسعار هذا وذاك، ثمّ بصوت منخفض سألتها مباشرة إذا ما كان باستطاعتها تبديلهم بأصناف أخرى قائلة "أنا حصلت عليهم من عيادة الوكالة، لكن الطبيب كتب لي على أنواع أخرى ليست متوفرة لديهم، ولا أمتلك النقود، فهل تساعديني؟".
إنه واحد من المواقف التي تمرّ على الصيدليات، وغيرها بذات الوقت أن يأتي شخص آخر يسأل عن الأسعار وعند معرفته بها فإنه يعتذر ويرد بـ "لا خلص، لا يلزم"، ثمّ في موقف آخر يأتي شاب ثالث ويطلب من الصيدلية إعطاءه أهم نوع دواء مكتوب في "الروشتة" والمتبقي فيها إلى وقت آخر، حين يتوفّر المال.
في الموضوع، تقول منال مطر وهي صيدلانية تعمل في "اللي فارم" إنه منذ بدء الحصار المطبق على قطاع غزّة، فتحت صيدليتها دفتراً لتدوين الديون مضيفة "في البداية كانت الديون محدودة، أخذت بالتوسع عاماً بعد عام حتى بلغت ذروتها مع بدء الخصومات على رواتب موظفي السلطة الفلسطينية".
وفي نيسان / إبريل للعام 2014، بدأت السلطة الفلسطينية بخصم نحو 30% من رواتب موظفيها في غزّة ضمن حزمة إجراءات وُصفت بـ "العقابية" لإجبار حركة حماس على تسليم القطاع إلى الحكومة، ثم زادت نسبة الخصومات إلى 50% وبعض الموظفين وصلت لديهم إلى 70%، ما تسبب بتسريع حالة الانهيار الاقتصادي المستمرة منذ 13 عاماً جراء الحصار الإسرائيلي المستمر.
وكانت السلطة تدفع نحو 50 مليون دولار لنحو 50 ألف موظف في غزة قبل إبريل 2017، لكن خصم 30% من الرواتب بعد ذلك التاريخ حرم القطاع أكثر من 16 مليون دولار شهريًا.
تتابع منال "نحاول تذكير الناس بالديون المتراكمة، أحياناً يدفعون أجزاء منها وأحياناً يخففوا السحب عندما يزيد المبلغ كثيراً".
وممّا لا شك فيه أن الديون المتراكمة على الصيدلية أثرت عليها بشكل كبير، كون رأس المال فيها يعد خاملاً إذ يتسبب الأمر بالخسارة بدلاً من الربح، خصوصاً وأن المبيعات قّلت لدرجة أن بعض الناس يشترون الدواء بالحبة الواحدة يومياً أي بحسب المتوفّر لديهم، وبالطبع هذا كلّه يؤثر على العاملين في الصيدلية ورواتبهم التي صارت تتأخر وأحياناً يخصم منها وفقاً للظروف العامة، بحسب الصيدلانية.
وبالنسبة إلى الديون التي تتراكم على الأشخاص فإنها تتفاوت ما بين 100 إلى 300 شيكل عند البعض شهرياً، وآخرين تتراوح ما بين 400 إلى 1000 شيكل وغالباً لا يسددونها جميعاً.
وفي صيدلية أخرى، رفض الصيدلاني الذي يعمل فيها الإفصاح عن اسمها لأسباب شخصية، يقول أحمد بدر إن الديون بدأت بالتراكم منذ العام 2017، حتى أن الدفتر صار يخص فئة الموظفين تحديداً، بخلاف ما كنا عليه سابقاً من عمال وشؤون اجتماعية.
ويضيف "يوجد ديون راكدة منذ سنين لا تتحرك، وازدياد الديون هذا بالتأكيد أثر على الوضع العام للصيدلية وعلى ساعات دوام الموظفين فيها، لكن لم تم الاستغناء عن أحد، إلا إذا قرر البحث عن فرصة بديلة تدر دخلاً أوفر له وفي الوقت ذاته لم نسع لتوظيف بديل عنه".
ويؤكّد أحمد أن ديون مستحقات الدواء على بعض الأشخاص بلغت أكثر من 1000 شيكل / 250 دولاراً، في وقت لا تستطيع الصيدلية إجبارهم على دفعها تقديراً للظروف الاقتصادية السيئة التي تمرّ على الناس في قطاع غزّة.
وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، قالت قبل أيام إن نسبة انعدام الأمن الغذائي في صفوف سكان قطاع غزة بلغت 70%، كما أن نسبة الفقر والبطالة وصلت خلال العام 2019 إلى ما يقرب من 75%، في حين و33,8% تحت خط الفقر المدقع.
























