شبكة نوى، فلسطينيات: رفح:
عثر أبناؤها أخيراً على سيارة بعدما تشبّع جسدها النحيل بالكيماوي، سمٌّ لا بدّ منه لمحاولة القضاء على مرض السرطان الذي كان ينهش رئتها اليمنى، ربّما تكون الطريق سهلة لا تتعدّى الساعتين، لكنها بالتأكيد صعبة على مريضة سرطان، من رفح إلى غزّة ذهاباً وإياباً، إنها مأساتها ومأساة ربع مليون مواطن ومواطنة يقيمون في مدينة رفح جنوبي القطاع!
في العام 2012، اكتشفت فتحية النملة (59 عاماً) إصابتها بسرطان الرئة، هي أم لابنتين وأربعة من الأولاد وزوجة لعامل فلسطيني لا دخل ثابت له، وإنما بالكاد يتدبرون أمور المنزل ومصاريف الجامعات لأبنائهم.
"دوار في الرأس واختناق شديد في الرئة، يحملها أبناءها ويركضون فيها إلى أي مركز صحي يسعفها، يصلون إلى خانيونس وإلى غزّة، وضعها الصحي الصعب والمادي صعب على كل العائلة أيضاً، والأدهى أن لا مستشفى في رفح!" يروي علاء ابنها الأكبر قصّة أمّه.
رفح، يبلغ عدد سكانها نحو ربع مليون إنسان، موزّعين على 15 حيًا سكنيًا، على مساحة جغرافية تبلغ حوالي 64 كيلو متراً، ورغم ذلك فإن المدينة تفتقر وجود مستشفى مركزي لها، لأسباب غير واضحة حتى اليوم، بل ما يوجد فيها عبارة عن عيادة بسيطة اسمها "أبو يوسف النجار" لا يوجد فيها أكثر من 60 سريراً، تقدم رعاية وإسعافات أولية فقط.
وفي حالة فتحية، التي كانت تُجبر على الذهاب إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزّة لوجود قسم للأورام فيها ولتلقي جرعات الكيماوي، أرغمها المرض وبعد المسافة التي تصل إلى 13 كيلو متراً عن منزلها على المكوث هناك أحياناً لأسبوع وأحياناً أخرى لأسبوعين متتاليين.
طريق الآلام كما تصفها أمه، يقول علاء إنها باتت تعتبر ركوب السيارة كابوس يحدّق بها، لا يختلف عن المرض، سيارة أجرة ليست ملكنا، هواء الطريق والشمس مؤذية لإنسان يأخذ كيماوي بدمه، تتألم وتتوجّع، تفقد الوعي أحياناً، صوت الهواء مزعج، وزمامير السيارات، كأنها مدّة تنقص من عمرها في كلّ مرة تذهب وتعود فيها.
بشكل تقديري، يومياً يفيد علاء أن تكلفة المواصلات للفرد الواحد للتنقل بين غزّة ورفح تصل إلى 20 شيكلاً / 5 دولارات تقريباً، هذا فقط لزيارتها أو مرافقتها أو لجلب غيارات ومستلزمات لها، غير مصاريف العلاج، وبُعد المسافة عن المنزل، أرهقها المرض وأرهقها عدم وجود مستشفى في مدينتها، هنالك مواعيد محددة للزيارة، أُجبرت العائلة مراراً على قضاء أوقات الانتظار حتى موعد الزيارات في حديقة المستشفى بدلاً من الوقت والمال الذي سيكلفهم ما إن عادوا للاستراحة في منزلهم جنوب القطاع.
نفسياً، لم تكن الأم مهيئة لحدوث ذلك، ولا أسرتها التي كانت تتناوب على مرافقتها ما بين الزوج والأبناء والبنات والأقارب أيضاً، بعد فترة تم تحويلها إلى القدس، لمتابعة التحاليل والإجراءات الطبية، ثمّ عادت إلى غزة وبعد ذلك سافرت إلى مصر لاستكمال العلاج، وكل هذا على حسابهم الشخصي، فكيف لعامل لا دخل ثابت له تدبير الأمر في ظلّ اقتصاد سيء وفقر وبطالة وانقسام وحصار لا ينفك يحصد المزيد من أرواح الفلسطينيين في غزّة؟ سؤال لن يدركه سوى المعدمين هنا، في غزة.
























