شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026م14:56 بتوقيت القدس

مصابون يعانون بسبب ضعف الإمكانيات..

أمراضٌ نادرة.. وعلاجٌ خلف حدود غزة

24 سبتمبر 2026 - 13:00

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على أحر من الجمر، تنتظر والدة الطفل محمد قويدر (11 شهرًا) سفر ابنها للعلاج في الخارج، بعد إصابته بمرض وراثي نادر يدعى متلازمة "فانكوني بيكل"، تسبب له بمضاعفات صحية خطيرة قلبت حياة العائلة إلى جحيم لا يُطاق.

تقول والدته فردوس أبو سبلة لـ"نوى": "مضاعفات هذه المتلازمة ظهرت بعد سبعة أشهر من ولادته، حيث يعاني من تضخم في الكبد والكلى، وهشاشة في العظام، وتوقف النمو ونقص الوزن، بحيث لا يتجاوز وزنه حاليًا 3 كيلوجرام، بعد أن كان 8 كيلوجرام، فضلًا عن معاناته من مرض السكري وحموضة شديدة في الدم".

ومنذ اللحظة الأولى لاكتشاف المرض، لم تعرف أبو سبلة الراحة حتى داخل خيمتها المهترئة، فهي لا تغادر المستشفى إلا لأيام معدودة، ثم سرعان ما تعود حاملة فلذة كبدها إلى سرير المرض داخل مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، بعد أن تلاحظ تدهور حالته الصحية بين حين وآخر.

بقلب يقطر ألمًا، تضيف الأم لـ"نوى": "أمكث في المستشفى أيامًا طويلة لأن محمد بحاجة إلى عناية خاصة ومراقبة على الدوام، خشية تطور مفاجئ لأعراض المرض بعيدًا عن أعين الأطباء والملاحظة الطبية السريرية".

استعصت حالة محمد على الأطباء داخل القطاع، لذلك حصلت الأم على تحويلة طبية رسمية لعلاجه بالخارج، لكن قوائم الانتظار وعرقلة الاحتلال وفرضه قيودًا مشددة على التحويلات الطبية، يفاقمان وضع الرضيع الصحي الذي يتدهور يومًا بعد آخر.

وتشعر الأم، التي فُجعت باستشهاد زوجها خلال الحرب، أن بقاء محمد وشفاءه يمثلان بارقة أملها الوحيدة في حياة باتت ثقيلة على قلبها، داعية منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة للإسراع في إتمام عملية سفرها لعلاج ابنها الوحيد.

ومثل محمد قويدر، تعيش أيضًا الطفلة ميس القدرة (14 عامًا) معاناة مضاعفة مع مرض وراثي نادر، جعل ضوء الشمس خطرًا على حياتها، فيما حرمتها الحرب ومعاناة النزوح من استمرار تعليمها بانتظام.

يقول محمد القدرة، والد الطفلة ميس: "إنها تعاني من مرض جفاف الجلد المصطبغ، المسمى (أطفال القمر)، وهو اضطراب وراثي يجعل الجلد شديد الحساسية للأشعة فوق البنفسجية، ويرفع خطر الإصابة بأورام وسرطانات الجلد".

ورغم أن الحرب وتداعياتها فاقمتا معاناة ميس، فإن والديها كانا يعيشان في خوف دائم من تدهور وضعها الصحي، كونها تحتاج لحماية دائمة من أشعة الشمس، ومتابعة طبية مستمرة، وفحوصات متكررة لرصد أي تغيرات أو أورام قد تظهر على جسدها.

بكثير من الأسى، يضيف والدها لـ"نوى": "الحرب قطعت الطريق أمام جزء أساسي من هذه الرعاية، فقد كنا نتابع علاجها في المشافي المصرية قبل الحرب، مع توصية الأطباء بضرورة المتابعة الدائمة، لكن ظروف إغلاق المعبر شكلت كارثة".

ولا تقتصر معاناة ميس على الحماية من أشعة الشمس فحسب، إذ تعاني حاليًا من مضاعفات تؤثر على البصر والسمع ونموها العقلي، فضلًا عن ظهور تشققات في قدميها وشفتيها تسيل منها الدماء.

ويشير القدرة إلى أن ميس خضعت قبل ثلاث سنوات لعملية جراحية لاستئصال ورم من خلايا الجلد، وكان لا بد من المراجعة في الخارج، لكن الحرب أوقفت كل شيء.

ونتيجة وقف المتابعة، أكثر ما تخشاه عائلة ميس أن تظهر خلايا سرطانية جديدة، أو تصاب بتشوهات، في ظل تدهور قدرة القطاع الصحي على متابعة حالتها، ونقص العلاجات داخل مشافي القطاع.

ميس انقطعت تمامًا عن الالتحاق بصفوفها الدراسية، فضلًا عن التنمر الذي فاقم جروحها الغائرة، وجعلها تخشى الاختلاط بمحيطها.

حاليًا، تواجه ميس صعوبة في الذهاب إلى المدرسة، وقد انقطعت تمامًا عن الالتحاق بصفوفها الدراسية، فضلًا عن التنمر الذي فاقم جروحها الغائرة، وجعلها تخشى الاختلاط بمحيطها والخروج واللعب مثل باقي الأطفال.

وفي حياة الطفلة ميس، بات الخروج من المنزل معاناة إضافية، كما يقول والدها، فهي لا بد أن ترتدي نظارة شمسية وقبعة على رأسها، وملابس بألوان فاتحة، ورغم ذلك، فإنها ترفض الخروج بسبب خوفها من التنمر.

بنبرة الحزن المشوبة بالأسى، يقول الأب المكلوم: "حياة أي طفلة بعمر ابنتي يكون فيها ضوء الشمس بداية لانطلاقتها وحيويتها، لكنه بالنسبة لميس يعني الخوف والقلق، في ظل بيئة نزوح تفرض عليها مواجهة لهيب الشمس والحرارة المرتفعة وسط نقص الأماكن المناسبة للحماية".

وفي واقع مثقل بالهموم، لا تطلب عائلة ميس إلا فرصة لعلاجها في الخارج، وتحويلها بشكل عاجل لمركز متخصص خارج القطاع، لاستئناف المتابعة التي توقفت بسبب الحرب، وإجراء الفحوصات اللازمة للتأكد من عدم ظهور أورام جديدة، إلى جانب توفير الحماية الطبية المستمرة التي يفرضها مرضها.

مرضى بلا خيارات

ما تعانيه عائلتا قويدر والقدرة ينسحب على مصابي الأمراض النادرة في القطاع، حيث تواجه الطواقم الطبية شحًا في أجهزة الفحص والتشخيص، وغياب العلاج اللازم لتلك الحالات.

يقول استشاري طب الأطفال في مستشفى الشفاء بغزة، د. زياد المصري: "الأمراض النادرة هي التي تنخفض نسبة الإصابة بها محليًا وعالميًا، ولها مسببات من ضمنها زواج الأقارب، وظروف الحياة المعيشية، وسوء التغذية، خاصة خلال السنة الماضية، ما أدى إلى ارتفاع نسبة هذه الأمراض في واقع الحرب والنزوح".

"هناك ظهور لمتلازمة إدوارد، ويظهر خلالها تأخر شديد في النمو والتطور، وانخفاض الوزن عند الولادة، وتشوهات في القلب، ومشكلات في الدماغ والجهاز العصبي، وتشوهات في اليدين والأقدام".

وأضاف المصري في حديثه لـ"نوى": "غالبية الحالات التي نشهد وجودها في الحضانات بمشافي القطاع هي متلازمة باتاو 13، التي تظهر أعراضًا منها عيوب في القلب، ومشكلات في الدماغ والجهاز العصبي، وصغر حجم الرأس، ومشكلات في الكلى، بالإضافة إلى تشوهات في الأطراف، وصعوبات شديدة في النمو والتطور".

وذكر الطبيب أن هناك ظهور لمتلازمة 18، وتسمى متلازمة إدوارد، ويظهر خلالها تأخر شديد في النمو والتطور، وانخفاض الوزن عند الولادة، وتشوهات في القلب، ومشكلات في الدماغ والجهاز العصبي، وتشوهات في اليدين والأقدام.

كما أوضح المصري أيضًا ظهور متلازمة كروموسوم 21، المعروفة بمتلازمة داون، وبيّن المصري أن بعض هذه الأمراض يصل إلى عدم اكتمال نمو الأجنة، وعدم اكتمال جدار البطن وخروج الأعضاء منه، بالإضافة إلى نقص الوزن بشكل حاد يصل لأقل من كيلو واحد.

"الأمراض النادرة لدى الأطفال تكتسب حساسية خاصة، لأن بعض الاضطرابات الوراثية والمناعية والعصبية تبدأ في سنوات العمر الأولى، وقد تحتاج إلى تدخلات مبكرة للحفاظ على النمو".

ولفت المصري إلى أن نقص العلاجات المنقذة للحياة أدى إلى ترك المرضى بالأمراض النادرة دون توفير العلاج المتخصص لهم، وهو ما يؤدي في مرحلة ما إلى تفاقم الحالات وتدهورها.

وبيّن المصري أن الأطباء يواجهون حالات من الأمراض الوراثية النادرة، مثل متلازمة غيلان باريه، وفانكوني بيكل، ومتلازمة بارتر، والحماض الأنبوبي الكلوي، وكلها تفتقر للعلاج داخل قطاع غزة.

وأشار المصري إلى أن الأمراض النادرة تحتاج إلى تشخيص دقيق، وقد يتطلب ذلك فحوصًا جينية، أو تحاليل متخصصة، أو تصويرًا متقدمًا وتقييمًا من اختصاصيين، لكن المنظومة الصحية في غزة تعمل في ظروف مختلفة تفتقد لغالبية هذه الفحوصات المهمة.

وأشار المصري إلى أن الأمراض النادرة لدى الأطفال تكتسب حساسية خاصة، لأن بعض الاضطرابات الوراثية والمناعية والعصبية تبدأ في سنوات العمر الأولى، وقد تحتاج إلى تدخلات مبكرة للحفاظ على النمو والقدرات الحركية والعقلية.

"الأمراض النادرة التي لا يمكن التعامل معها محليًا في ظل محدودية إمكانات المستشفيات في القطاع".

ولفت استشاري طب الأطفال إلى أن المصاب بمرض نادر لا يستطيع دائمًا الاعتماد على البدائل المتاحة، لأن بعض الأمراض تحتاج إلى أدوية محددة أو فحوصات متخصصة، وقد يؤدي عدم توفرها إلى تفاقم الحالة أو ظهور مضاعفات يصعب التعامل معها.

وحذّر المصري من أن الأمراض النادرة التي لا يمكن التعامل معها محليًا في ظل محدودية إمكانات المستشفيات في القطاع، يصبح الإجلاء الطبي ضرورة ملحة لإنقاذهم، مشيرًا إلى أن معضلة انتظار القوائم تجعل المرض يتقدم في خطورته على حياة المريض دون القدرة على عمل أي شيء.

إجلاء مُنتظر..

وكغيرهم من مرضى القطاع، ينتظر مصابو الأمراض النادرة بفارغ الصبر قرارًا بالإجلاء الطبي، بحسب ما أعلنته منظمة الصحة العالمية.

وأفاد الناطق باسم المنظمة، طارق ياساريفيتش، باستمرار الصعوبات المتعلقة بعمليات الإجلاء، ونداءات العديد من المرضى للحصول على المساعدة لتلقي العلاج.

وذكر ياساريفيتش أنه تم إجلاء 12 ألفًا و913 مريضًا من غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023م، بينهم 6 آلاف و186 طفللًا.

وأضاف: "تم إجلاء 16 ألف مرافق مع المرضى من القطاع منذ ذلك التاريخ، مؤكدًا أن آلاف المرضى لا يزالون ينتظرون الإجلاء الطبي".

وبحسب وزارة الصحة في غزة، فقد بلغ عدد التحويلات الطبية الموثقة والجاهزة للسفر 17.757 تحويلة حتى 20 مايو/أيار 2026م، فيما لم يتمكن من مغادرة القطاع سوى قرابة 1200 مريض، وفق آلية تسمح بخروج 20 مريضًا يوميًا، خلال ثلاثة أيام فقط في الأسبوع.

وبين مرض يحتاج إلى علاج مستمر، ومنظومة صحية تكافح للبقاء، يبقى مرضى الأمراض النادرة في غزة يعدون الأيام، خوفاً من إجلاء مرتقب وموت لا ينتظر.

كاريكاتـــــير