غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"أين أبي يا أمي؟".. سؤالٌ يتكرر كل يوم على مسامع شروق، منذ غادرت غزة برفقة طفليها جوري وأنس، بحثًا عن مكان أكثر أمنًا بعيدًا عن القصف الذي لم يكن يفرّق بين صغير وكبير.
خرجت شروق من غزة وهي تظن أن المسافة بينها وبين زوجها مؤقتة، وأن الحرب مهما طالت ستنتهي، وأنها ستعود مع طفليها إلى بيت يجتمع فيه أفراد العائلة من جديد، لكنها لم تكن تعرف أن الطريق الذي اختارته لحماية أطفالها من الموت، سيضعها أمام فقدٍ آخر، وأن عليها ذات يوم أن تشرح لهما لماذا لن يعود والدهما أبدًا.
في يناير/كانون الثاني 2024م، وقبل إغلاق معبر رفح البري، غادرت شروق غزة برفقة طفليها، جوري وأنس، بناءً على إصرار زوجها محمد صلاح، الذي أراد إبعادهما عن أهوال الحرب والقصف المتواصل.
كان محمد، البالغ من العمر (38 عامًا)، يعمل إداريًا في معبر رفح، واختار البقاء في غزة، على أمل أن يلتقي بعائلته بعد انتهاء الحرب.
تستعيد شروق (32 عامًا)، كلمات زوجها قبل سفرها: "قال لي: اهتمي بأطفالنا ولا تقلقي، سنلتقي بعد انتهاء الحرب".
غادرت شروق -خريجة تخصص التعليم الأساسي من جامعة الأقصى- وهي تحمل في قلبها مزيجًا من الخوف والقلق من الغربة، لكنها كانت تتمسك بفكرة واحدة لتطمئن نفسها.. "كنت أواسي نفسي بأن الحرب ستنتهي وسنلتقي جميعًا".
في يناير/كانون الثاني 2025م، استشهد محمد في قصف استهدف خيمة، ليتحوّل اللقاء الذي انتظرته شروق إلى موعد مؤجل للأبد.
لكن الحرب كان لها موعد آخر مع هذه العائلة. في يناير/كانون الثاني 2025م، استشهد محمد في قصف استهدف خيمة في خانيونس، ليتحوّل اللقاء الذي انتظرته شروق إلى موعد مؤجل للأبد.
في الغربة، يصبح الفقد أكثر قسوة حين لا يجد الإنسان إلى جواره عائلته أو أقاربه، ولا يجد كتفًا قريبًا يستند إليه في لحظة الانهيار.
في السادسة من صباح 2 يناير/كانون الثاني 2025م، رن هاتف شروق بينما كانت نائمة. استيقظت مسرعة لتجد شقيقتها تتصل بها وتقول، وهي تبكي: "افتحي على الأخبار بسرعة".
اشتعل قلبها خوفًا. فتحت الأخبار ويداها ترتجفان، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها، قبل أن تقع عيناها على اسم زوجها ضمن قائمة شهداء ذلك اليوم: "محمد صلاح".

بدت الدنيا في تلك اللحظة وكأنها توقفت أمامها. لم تستطع شروق استيعاب الخبر، ولم يكن الألم الذي شعرت به متعلقًا بفقد زوجها وحده، فقد أدركت فورًا أنها أمام سؤال آخر أكثر قسوة: كيف ستخبر طفليها أن والدهما لن يعود؟
منذ اللحظة التي تلقت فيها خبر استشهاد زوجها، وجدت شروق نفسها محاصرة بين حزنها الذي لم تجد وقتًا لتعيشه، وخوفها على طفليها اللذين سيواجهان للمرة الأولى معنى الغياب الأبدي.
لم تجد شروق كلمات سهلة تشرح بها لطفليها معنى الغياب والرحيل والفقد واليُتم. وفي الوقت الذي كانت فيه تحاول استيعاب انكسارها، وجدت نفسها أمام مسؤوليات جديدة، وعليها أن تؤجل حزنها لتحتضن طفليها وتبحث عن الطريقة الأقل قسوة لإخبارهِما بأن والدهما أصبح في الجنة ولن يعود.
"جوري وأنس أصبحا أكثر هدوءًا من السابق، وأحاول إخراجهما من الصدمة ومساعدتهما على تجاوز غياب الأب وعدم وجوده إلى جوارهما".
كانت جوري، البالغة من العمر تسعة أعوام، أكثر قدرة على استيعاب ما حدث من شقيقها أنس (6 أعوام)، الذي لم يكن قادرًا على فهم معنى الفقد بصورة كاملة.
حاولت شروق أن تقدم لكل منهما إجابات تتناسب مع عمره ومدى استيعابه للخبر، وأن تحتوي قلبيهما الصغيرين، خصوصًا أنهما لم يتلقيا دعمًا نفسيًا بعد استشهاد والدهما.
تقول: إن "جوري وأنس أصبحا أكثر هدوءًا من السابق، وأحاول إخراجهما من الصدمة ومساعدتهما على تجاوز غياب الأب وعدم وجوده إلى جوارهما، بينما أعيش أنا الفقد ذاته وأحاول في الوقت نفسه إخفاء ألمي أمامهما".
ولكي يبقى حضور الأب معنويًا في حياة طفليه، شجعتهما والدتهما على حفظ القرآن الكريم. حفظت جوري عشرة أجزاء، بينما حفظ أنس جزء "عمّ". وكانت والدتهما تقول لهما إن والدهما يعرف بهذه الأعمال الصالحة والإنجازات، ويراهما وهو في الجنة.
وتوضح الأخصائية النفسية شهد القدرة أن "أثر الفقد سلبي على الطفل ويزيد من معاناته اليومية، وكلما كان الطفل أكبر كان أكثر وعيًا وفهمًا"، مشيرةً إلى أن من علامات المعاناة النفسية "العزلة، وفقدان المتعة بالأمور التي كان يحبها، وإهمال الوظائف اليومية"، مؤكدة ضرورة أن يواجه الطفل حقيقة وفاة والده بصورة تدريجية، لا دفعة واحدة.
يدرس الطفلان حاليًا في مصر، وتحاول والدتهما توفير احتياجاتهما الأساسية، رغم غياب الأب وغياب الدعم النفسي المتخصص.
وتضيف: "الأم هي العنصر الأساسي في التخفيف عن طفلها، وهنا يأتي دورها الأهم والأقوى في مساعدة الطفل والتخفيف عنه في حالة الصدمة وفقدان الأب"، موجهةً نصيحتها للأمهات بالمتابعة مع أخصائي نفسي لمساعدة الأطفال على التعامل مع الفقد وتجاوز آثاره.
وسط غربتها، واجهت شروق عقبات وتحديات متعددة، لكنها تحاول توفير حياة أكثر استقرارًا وأمنًا لطفليها في البيئة التي فرضتها عليها الحرب.
وتعتمد شروق حاليًا في إعالة جوري وأنس على راتب زوجها الشهيد الذي يُصرف لها ولطفليها بعد استشهاده.
يدرس الطفلان حاليًا في مصر، فيما تتابع والدتهما شؤونهما الدراسية واليومية، وتحاول توفير احتياجاتهما الأساسية، رغم غياب الأب وغياب الدعم النفسي المتخصص لهما.
ولا ترغب شروق في العودة إلى قطاع غزة في الوقت الحالي، إذ تحاول أن توفر لطفليها حياة أكثر استقرارًا وهدوءًا وأمانًا، بعيدًا عن أهوال الحرب المستمرة.
كل يوم، تحاول الأم أن تمنح طفليها ما تبقى لديها من قوة وحب وحنان، وأن تصنع لهما مساحة آمنة وسط غربة لم تخترها، وفقد لم تستعد له.
























