غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"قُتلت برصاصة طائشة".. كلمتان كأنهما تصفان حادثًا بلا صاحب. رصاصةٌ خرجت من مكان ما، وسلكت طريقًا لا يعرفه أحد، حتى استقرت في جسد طفلة. طفلةٍ عادت للتو من المدرسة.
في قطاع غزة، حيث يلاحق الموت المدنيين في الطرقات ومخيمات النزوح وفي محيط المدارس، لا تبدو الرصاصة "طائشة" بالضرورة، فخلف كل إصابة أو وفاة، أداة أطلقتها ويد، وموقعٌ خرجت منه، وضحية تصادف أن كانت في المكان الذي وصلت إليه الرصاصة. هذه المرة كانت الطفلة ميس خميس بظاظو.
في الثالث عشر من سبتمبر/أيلول، كانت ميس قد أنهت يومها الدراسي في مدرسة عين الحلوة الزهراء، وشاركت في برنامج أيام المسرح المدرسي. حملت حقيبتها ودفاترها، وخرجت عائدة إلى خيمتها التي لا تبعد عنها سوى طريق يمر وسط الركام.
بعد نحو نصف ساعة، وصلت ميس إلى الخيمة. كانت منهكةً، فقررت أن تستريح قليلًا، رغم أن الخيمة التي تأوي إليها العائلة لا تشبه مكانًا للراحة.. حرارة الصيف تلهبها، ومقومات الحياة الآمنة غائبة عنها.
"أطلقت دبابة إسرائيلية الرصاصة التي أنهت حياة ميس، بعدما أُطلقت من جهة الشرق باتجاه المدنيين".
بحسب عمها، أطلقت دبابة إسرائيلية الرصاصة التي أنهت حياة ميس، بعدما أُطلقت من جهة الشرق باتجاه المدنيين في غزة. لم تكن الطفلة تعرف أن وصولها إلى خيمتها لن يعني نهاية يومها الدراسي، بل نهاية حياتها.
لم يكن موت ميس وحده ما ترك أثره في المكان. فصديقتها وجارتها أماني محمد باتت تخشى أن يتكرر المشهد معها أيضًا. تقول أمها: "طفلتي أصبحت مرعوبة مما حدث، وصارت تتخيل أنها قد تُقتل بالطريقة نفسها في أي لحظة أثناء جلوسها داخل الخيمة".
وتسأل: "ما الذي يمكن لأطفالنا أن يعيشوه أكثر من هذا الجحيم على مدار ثلاث سنوات متتالية؟ فقدوا أصدقاءهم ومنازلهم وأطرافهم وحقهم في الحياة والأكل والتعليم".
ثم تنقل ما تقوله طفلتها طوال اليوم: "كان يفترض أن تعود ميس إلى المدرسة معي غدًا. كان يفترض أن تبقى حقيبتها بين يديها، ودفاترها معها، وأن تشارك في برنامج المسرح المدرسي. ميس كانت تحب المدرسة، وتحب تناول البوظة، وتكره الحرب".
هكذا بقيت ميس حاضرة في تفاصيل حياة زميلاتها: في مقعدها الفارغ، وفي حقيبتها التي لن تحملها مجددًا إلى المدرسة، وفي حديث طفلة لا تزال تحاول أن تفهم كيف يمكن لصديقتها التي كانت تستعد ليوم دراسي جديد أن تتحول، خلال لحظات، إلى ذكرى.
لم تقتل الرصاصة ميس وحدها.. تركت خلفها أطفالًا يحملون خوفًا جديدًا، ويعيدون تخيل الموت في الأماكن التي يفترض أن تمنحهم شيئًا من الأمان.
حين توصف وفاة طفل بأنه قُتل برصاصة "طائشة"، قد يبدو الأمر وكأنه حادث عابر لا فاعل له، أو مسار عشوائي لرصاصة لا يمكن معرفة مصدرها أو وجهتها، لكن قصة ميس تطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث حين يمكن تتبع مصدر الرصاصة، وتحديد موقع الضحية، ومعرفة أنها كانت طفلة عائدة من مدرستها إلى خيمتها؟
هنا لا تعود المسألة متعلقة بالكلمة وحدها، بل بما تخفيه اللغة خلفها.. فالرصاصة لا تطلق نفسها، ولا تصل وحدها، ولا تختار ضحيتها من تلقاء نفسها.
في غزة، تتغير أدوات الموت، لكن نتيجتها واحدة: أطفال يخرجون من مدارسهم ولا يعودون، وآخرون يفقدون أصدقاءهم ومنازلهم وأجزاء من أجسادهم، فيما يبقى السؤال عن المسؤول حاضرًا خلف كل اسم.
وميس واحدة من مئات الأطفال الذين قُتلوا خلال الفترة التي كان يفترض أن يوفر فيها وقف إطلاق النار مساحة من الأمان.
ففي 6 أغسطس/آب 2026م، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إن ما لا يقل عن 300 طفل قُتلوا خلال 300 يوم منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025م، بمعدل طفل واحد تقريبًا كل يوم.
يونيسيف: "ما لا يقل عن 21,700 طفل قُتلوا في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى 30 يونيو/حزيران 2026م، فيما أُصيب نحو 45 ألف طفل".
وفي أحدث أرقامها المنشورة، قالت المنظمة إن ما لا يقل عن 21,700 طفل قُتلوا في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى 30 يونيو/حزيران 2026م، فيما أُصيب نحو 45 ألف طفل، بينهم أكثر من 11 ألفًا بإصابات غيّرت حياتهم.
وبين هذه الأرقام الكبيرة، يبقى لكل طفل اسم وحقيبة ومقعد وأصدقاء وشيء يحبه، وميس كانت طفلة تحب المدرسة والبوظة، وتكره الحرب. لكنها لم تصل إلى يومها الدراسي التالي. بقيت حقيبتها، وبقي مقعدها، وبقي سؤال صديقتها عن الغد.
























