شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2026م00:06 بتوقيت القدس

عرقلة متعمدة لطواقم الإسعاف والحالات الحرجة..

المسافة بين الحياة والموت في الضفة.. "حاجز"!

03 اعسطس 2026 - 19:57

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

كانت الممرضة صابرين محسن تتمسك بخيط الأمل الأخير وهي تحاول إبقاء سيدةٍ حاملٍ في شهرها السادس على قيد الحياة.

رافقتها داخل مركبة الإسعاف من بلدة قريوت شمالي الضفة الغربية نحو مستشفيات نابلس، فيما كانت المؤشرات الحيوية تتراجع سريعًا، قبل أن تضع الأم جنينها ميتًا داخل المركبة، وتدخل هي في مرحلة حرجة تهدد حياتها.

نزيفٌ حاد، وانخفاضٌ متسارع في العلامات الحيوية، وأجهزة طبية تسابق الوقت، قبل أن يعلو صوت الجنود على كل صوت! عند حاجز عورتا جنوبي نابلس، أوقف الجنود مركبة الإسعاف، وأجبروا السائق على إطفاء المحرك، رغم محاولاته المتكررة إخبارهم أن توقفه يعني توقف الأجهزة التي تُبقي المريضة على قيد الحياة، لكنهم أصروا.

انطفأ المحرك، وكل شيء انطفأ معه. تمدد شبح الموت فوق المركبة، وبدت ملامحه واضحة على جسد المريضة، فما كان من الممرضة إلا أن تركتها للحظات، وهرعت إلى الجنود تخاطبهم بالإنجليزية: "إنها تموت.. لديها نزيف حاد".

لم تجد كلماتها من يصغي إليها، واستمر احتجاز المركبة ومصادرة هويات الطاقم لنحو نصف ساعة، قبل السماح لهم بالعبور، لتصل الأم إلى المستشفى في حالة حرجة، وإلى جانبها جنينها الذي فارق الحياة.

هذه الحادثة ليست سوى صفحة من سجل طويل لانتهاكات يومية تواجهها الطواقم الطبية في الضفة الغربية، فإغلاقات الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية المنتشرة، وما يرافقها من تضييق، تدفع طواقم الإسعاف إلى التعامل مع الحالات الطارئة في الشوارع وعلى الحواجز نفسها، حتى أصبحت الولادة داخل مركبات الإسعاف مشهدًا تكرر أمام صابرين محسن مرتين.

وتؤكد المسعفة، التي تعمل في المهنة منذ عام 2016م، في حديثها مع "نوى"، أن المخاطر على الحواجز لا تنتهي، إذ يتعمد جنود الاحتلال احتجاز مفاتيح مركبات الإسعاف لساعات، كما حدث معها على حاجز "الساوية" جنوبي نابلس أثناء نقل مصاب سقط عن شجرة زيتون.

ولا تقف الاعتداءات عند هذا الحد، بل تمتد إلى هجمات المستوطنين، ومنها رشق مركبات الإسعاف بالحجارة أثناء نقل مرضى السرطان والحالات المزمنة.

وتختتم محسن شهادتها بالقول "إن الخوف على الحياة والعائلة شعور طبيعي لا يفارقهم، لكن نداء الواجب يبقى أقوى، وإيمانهم بأن دقائق قليلة قد تنقذ حياة إنسان هو ما يدفعهم إلى مواصلة العمل وسط أقسى الظروف".

أما المسعف يوسف ديرية من بلدة عقربا، الذي أمضى أربعة عشر عامًا في الميدان، فيؤكد أن الحواجز العسكرية لم تعد مجرد نقاط تفتيش، بل تحولت إلى مصائد تهدد المرضى، ولا سيما أصحاب الأمراض المزمنة، كما أصبحت مصدر خطر مباشر على طواقم الإسعاف التي تجد نفسها يوميًا بين إطلاق النار، والاعتقال، والتنكيل، ومسؤولية إنقاذ الأرواح.

ويضرب ديرية مثالًا بمرضى غسيل الكلى، الذين يتوجب عليهم الوصول إلى مراكز العلاج في أوقات محددة، لكن إغلاقات الحواجز تطيل رحلة الذهاب والعودة ساعة وساعتين، وربما أكثر، وهي ساعات تستنزف الطواقم، وتثقل أجساد المرضى المنهكة أصلًا بفعل العلاج.

"نُجبر على سلوك طرق التفافية طويلة، فبدل أن نقطع عشرين كيلومترًا إلى مستشفيات نابلس، نضطر للمرور عبر سلفيت ومناطق أخرى، لنقطع أكثر من مئة وعشرين كيلومترًا".

ويضيف: "في كثير من الحالات نُجبر على سلوك طرق التفافية طويلة، فبدل أن نقطع عشرين كيلومترًا إلى مستشفيات نابلس، نضطر للمرور عبر سلفيت أو مناطق أخرى، لنقطع أكثر من مئة وعشرين كيلومترًا حتى نصل".

ولا تقتصر المعاناة على التأخير، إذ يشير ديرية إلى محاولات قتل مباشرة تعرضت لها طواقم الإسعاف على يد جنود الاحتلال والمستوطنين، أبرزها حادثة إطلاق النار في بلدة قصرة جنوب نابلس، حيث استُهدف الزجاج الأمامي والخلفي لمركبة الإسعاف بالرصاص الحي.

ومن جنين، يروي ضابط الإسعاف حازم مصاروة، من مركز إسعاف ابن سينا، كيف اعتُقل نجله، الذي يعمل مسعفًا أيضًا، أثناء تأدية عمله، مؤكدًا أن الاعتداءات باتت تطارد المسعفين أينما توجهوا، "فالمستوطنون ينتشرون عند مداخل المدن والبلدات، وإغلاق الطرق، ورشق الحجارة، وإطلاق النار، كلها حولت طرقًا كاملة في جنين إلى مسارات شبه مهجورة، تترافق مع تشديد مستمر على الحواجز العسكرية".

ويقول مصاروة لـ"نوى": "يقوم عمل المسعف على الحياد الكامل، وعلى تقديم العون لأي إنسان مهما كانت هويته، لكن هذا المبدأ لا يجد احترامًا على الأرض (..) نلتزم بجميع إجراءات التنسيق عبر الارتباط المدني، ونرسل أسماء السائقين وهوياتهم وصور المركبات لتأمين مرورها، سواء لإخلاء مرضى أو جرحى أو مسنين، لكننا نفاجأ عند الوصول بإطلاق النار علينا وإعادتنا"، مردفًا: "إحدى سيارات الإسعاف التي أعمل عليها تعرضت خلال شهر واحد فقط لوابل من الرصاص، اخترق هيكلها بسبع رصاصات".

ولا تنتهي آثار هذه الاعتداءات عند حدود الميدان، بل تمتد إلى البيوت والعائلات، كما يقول مصاروة: "طفلتي الصغيرة تتشبث بي كلما غادرت المنزل، خوفًا من ألا أعود.. ترتعب مع كل صفارة إسعاف أو اقتحام، فيما تعيش العائلة بأكملها قلقًا دائمًا من مشاهد استهداف المركبات، واحتجاز الطواقم لساعات، بل وغياب المسعفين عن بيوتهم لأسابيع متواصلة خلال الاجتياحات، من دون أن يتمكنوا حتى من تبديل ملابسهم".

ويختتم مصاروة حديثه بمطالبة الجهات المعنية بالالتفات إلى معاناة الطواقم الإسعافية، خصوصًا تلك العاملة في مراكز الإسعاف الخاصة التي تعتمد على إمكانياتها الذاتية، وتواصل عملها بدافع الواجب الوطني، داعيًا إلى تعويضها عن الأضرار التي تلحق بالمركبات والمعدات، وإنهاء امتناع بعض الجهات الدولية عن تنسيق مرورها بحجة أنها جهات خاصة، ما يتركها وحيدة في مواجهة الميدان.

"نوثق الانتهاكات منذ عام 2002م، منذ استشهاد خليل سليمان، وإبراهيم أسعد، وبسام اليلبيسي، مرورًا بعشرات الاعتداءات، وصولًا إلى الاستهداف المباشر والإعدامات في غزة".

بدوره، يؤكد المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني أحمد جبريل لـ"نوى" أن انتهاكات الاحتلال بحق الطواقم الطبية ليست جديدة، بل تمتد على مدار عقود، موضحًا أن الجمعية تمتلك ملفًا كاملًا يوثق هذه الاعتداءات.

ويقول: "نوثق هذه الانتهاكات منذ عام 2002م، منذ استشهاد الدكتور خليل سليمان، وإبراهيم أسعد، وبسام اليلبيسي، مرورًا بعشرات الإصابات والاعتداءات، وصولًا إلى الاستهداف المباشر والإعدامات التي تعرضت لها طواقمنا في غزة، واستشهاد وإصابة العشرات، وتدمير سيارات الإسعاف والمراكز الصحية".

ويرى جبريل أن الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية في الضفة الغربية تمثل اليوم أبرز التحديات التي تواجه طواقم الإسعاف، لما تسببه من تأخير يهدد حياة المرضى والطواقم معًا، ويضاعف زمن الوصول، سواء عبر الانتظار الطويل أو الاضطرار إلى سلوك طرق التفافية.

"القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني يكفلان الحماية للطواقم الطبية، إلا أن قوات الاحتلال لا تكترث بهذه القواعد، بما يضاعف حجم الخطر الذي يواجهه المسعفون".

ويؤكد أن القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني يكفلان الحماية للطواقم الطبية، إلا أن قوات الاحتلال لا تكترث بهذه القواعد، بما يضاعف حجم الخطر الذي يواجهه المسعفون.

ويضيف: "جمعية الهلال الأحمر تعمل على توفير وسائل الحماية الممكنة والدعم النفسي للطواقم، فهم بشر يحملون مخاوفهم على حياتهم وعائلاتهم، لكن مسؤولية إنقاذ الأرواح تدفعهم إلى مواصلة أداء واجبهم، رغم كل ما يحيط بهم من أخطار وتضحيات".

كاريكاتـــــير